ابن عابدين

36

حاشية رد المحتار

خيار الرؤية مدفوع بأن خيار الرؤية قد يسقط برؤية بعض المبيع ، فتبقى الجهالة المفضية إلى المنازعة ، وكذا قد يبطل خيار الرؤية قبلها ، بنحو بيع ، أو رهن لما اشتراه كما سيأتي بيانه في بابها ، ولذا قال المصنف هناك : صح البيع والشراء لما لم يرياه الإشارة إليه أو إلى مكانه شرط الجواز أه‍ . فأفاد أن انتفاء الجهالة بهذه الإشارة شرط جواز أصل البيع ، ليثبت بعده خيار الرؤية ، نعم صحح بعضهم الجواز بدون الإشارة المذكورة ، لكنه محمول على ما إذا حصل انتفاء الجهالة بدونها ، ولذا قال في النهاية هناك : صح شراء ما لم يره : يعني شيئا مسمى موصوفا أو مشارا إليه أو إلى مكانه وليس فيه غيره بذلك الاسم ا ه‍ . وقال في العناية ، قال صاحب الاسرار : لان كلامنا في عين هي بحالة لو كانت الرؤية حاصلة لكان البيع جائزا ا ه‍ . وفي حاوي الزاهدي : باع حنطة قدرا معلوما ، ولم يعينها لا بالإشارة ، ولا بالوصف لا يصح ا ه‍ . هذا ، والذي يظهر من كلامهم تفريعا وتعليلا أن المراد بمعرفة القدر والوصف ما ينفي الجهالة الفاحشة ، وذلك بما يخصص المبيع عن أنظاره ، وذلك بالإشارة إليه لو حاضرا في مجلس العقد ، وإلا فبيان مقداره مع بيان وصفه لو من المقدرات ، كبعتك كر حنطة بلدية مثلا بشرط كونه في ملكه ، أو ببيان مكانه الخاص كبعتك ما في البيت ، أو ما في كمي أو بإضافته إلى البائع كبعتك عبدي ، ولا عبد له غيره ، أو ببيان حدود أرض ، ففي كل ذلك تنتفي الجهالة الفاحشة عن المبيع ، وتبقى الجهال اليسيرة التي لا تنافي صحة البيع ، لارتفاعها بثبوت خيار الرؤية ، فإن خيار الرؤية إنما يثبت بعد صحة البيع لرفع تلك الجهالة اليسيرة لا لرفع الفاحشة المنافية لصحته ، فاغتنم تحقيق هذا المقام بما يرفع الظنون والأوهام ، ويندفع به التناقض واللوم عن عبارات القوم . قوله : ( كمصري أو دمشقي ) ونظيره إذا كان الثمن من غير النقود كالحنطة لا بد من بيان قدرها ووصفها ككر حنطة بحيرية أو صعيدية ، كما أفاده الكمال وحققه في النهر . قوله : ( غير مشار إليه ) أي إلى ما ذكر من المبيع والثمن ، قال في البحر لان التسليم والتسلم واجب بالعقد ، وهذه الجهالة مفضية إلى المنازعة فيمتنع التسليم والتسلم ، وكل جهالة هذه صفتها تمنع الجواز ا ه‍ . قوله : ( لا يشترط ذلك في مشار إليه ) قال في البحر : وقوله غير مشار إليه قيد فيهما ، لان المشار إليه مبيعا كان أو ثمنا لا يحتاج إلى معرفة قدره ووصفه ، فلو قال : بعتك هذه الصبرة من الحنطة أو هذه الكورجة من الأرز والشاشات وهي مجهولة العدد ، بهذه الدراهم التي في يدك وهي مرئية له فقبل ، جاز ولزم ، لان الباقي جهالة الوصف : يعني القدر ، وهو لا يضر إذ لا يمنع من التسليم والتسلم ا ه‍ . قوله : ( ما لم يكن ) أي المشار إليه ربويا قوبل بجنسه : أي وبيع مجازفة مثل بعتك هذه الصبرة من الحنطة بهذه الصبرة . قال في البحر : فإنه لا يصح لاحتمال الربا ، واحتماله مانع كحقيقته . قوله : ( أو سلما ) أراد به المسلم فيه بقرينة ما بعده ، لكنه لا حاجة لذكره ، لان المسلم فيه مؤجل غير حاضر ، فلا يصح أن يكون مشارا إليه والكلام فيه . قوله : ( لو مكيلا أو موزونا ) فلا تكفي الإشارة إليه كما في مذروع وحيوان خلافا لهما ، لأنه ربما لا يقدر على تحصيل المسلم فيه ، فيحتاج إلى رد رأس المال ، وقد ينفق بعضه ثم يجد باقيه معيبا فيرده ولا يستبدله رب السلم في مجلس الرد فيفسخ العقد في المردود ، ويبقى في غيره ، فتلزم جهالة المسلم فيه فيما بقي