ابن عابدين

178

حاشية رد المحتار

تنبيه : أشار كلام الفتح إلى أن السياسة لا تختص بالزنا ، وهو ما عزاه الشارح إلى النهر . وفي القهستاني : السياسة لا تختص بالزنا بل تجوز في كل جناية ، والرأي فيها إلى الامام على ما في الكافي ، كقتل مبتدع يتوهم منه انتشار بدعته وإن لم يحكم بكفره كما في التمهيد ، وهي مصدر ساس الوالي الرعية : أمرهم ونهاهم كما في القاموس وغيره ، فالسياسة استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في الدنيا والآخرة ، فهي من الأنبياء على الخاصة والعامة في ظاهرهم وباطنهم ، ومن السلاطين والملوك على كل منهم في ظاهره لا غير ، ومن العلماء ورثة الأنبياء على الخاصة في باطنهم لا غير كما في المفردات وغيرها اه‍ . ومثله في الدر المنتقى . قلت : وهذا تعريف للسياسة العامة الصادقة على جميع ما شرعه الله تعالى لعباده من الأحكام الشرعية ، وتستعمل أخص من ذلك مما فيه زجر وتأديب ولو بالقتل ، كما قالوا في اللوطي والسارق والخناق : إذا تكرر منهم ذلك حل قتلهم سياسة ، وكما مر في المبتدع ، ولذا عرفها بعضهم بأنها تغليظ جناية لها حكم شرعي حسما لمادة الفساد ، وقوله لها حكم شرعي معناه : أنها داخلة تحت قواعد الشرع وإن لم ينص عليها بخصوصها ، فإن مدار الشريعة بعد قواعد الايمان على حسم مواد الفساد لبقاء العالم ، ولذا قال في البحر : وظاهر كلامهم أن السياسة هي فعل شئ من الحاكم لمصلحة يراها ، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي اه‍ . وفي حاشية مسكين عن الحموي : السياسة شرع مغلظ ، وهي نوعان : سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها . وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم ، وتدفع كثيرا من المظالم ، وتردع أهل الفساد ، وتوصل إلى المقاصد الشرعية ، فالشريعة توجب المصير إليها والاعتماد في إظهار الحق عليها ، وهي باب واسع ، فمن أراد تفصيلها فعليه بمراجعة كتاب معين الحكام للقاضي علاء الدين الأسود الطرابلسي الحنفي اه‍ . قلت : والظاهر أن السياسة والتعزير مترادفان ، ولذا عطفوا أحدهما على الآخر لبيان التفسير كما وقع في الهداية والزيلعي وغيرهما ، بل اقتصر في الجوهرة على تسميته تعزيرا ، وسيأتي أن التعزير تأديب دون الحد ، من العزر بمعنى الرد والردع ، وأنه يكون بالضرب وغيره ، ولا يلزم أن يكون بمقابلة معصية ، ولذا يضرب ابن عشر سنين على الصلاة ، وكذلك السياسة كما مر في نفي عمر لنصر بن الحجاج ، فإنه ورد أنه قال لعمر : ما ذنبي يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لا ذنب لك ، وإنما الذنب لي حيث لا أطهر دار الهجرة منك ، فقد نفاه لافتتان النساء به وإن لم يكن بصنعه ، فهو فعل لمصلحة وهي قطع الافتتان بسببه في دار الهجرة التي هي من أشرف البقاع ، ففيه رد وردع عن منكر واجب الإزالة . وقالوا : إن التعزير موكول إلى رأي الامام ، فقد ظهر لك بهذا أن باب التعزير هو المتكفل لاحكام السياسة وسيأتي بيانه ، وبه علم أن فعل السياسة يكون من القاضي أيضا ، والتعبير بالامام ليس للاحتراز عن القاضي بل لكونه هو الأصل ، والقاضي نائب عنه في تنفيذ الاحكام كما مر في قوله : فيسألهم الامام ، وبدأ الامام برجمه ونحو ذلك . وفي الدر المنتقى عن قوله : ( معين الحكام ) : للقضاة تعاطي كثير من هذه الأمور ، حتى إدامة الحبس والاغلاظ على أهل الشر بالقمع لهم ، والتحليف بالطلاق وغيره ، وتحليف الشهود إذا ارتاب منهم . ذكره في التاترخانية . وتحليف المتهم لاعتبار حاله ، أو المتهم بسرقة يضربه ويحبسه الوالي والقاضي اه‍ . وسيأتي في باب التعزير أن