ابن عابدين
269
حاشية رد المحتار
الجاهل به بأن عاقل ثم يظهر منه في مجلسه ما ينافيه ، فإذا كان المجنون حقيقة قد يعرف ما يقول ويقصده فغيره بالأولى ، فالذي ينبغي التعويل عليه في المدهوش ونحوه إناطة الحكم بغلبة الخلل في أقواله وأفعاله الخارجة عن عادته ، وكذا يقال فيمن اختل عقله لكبر أو لمرض أو لمصيبة فاجأته ، فما دام في حال غلبة الخلل في الأقوال والافعال لا تعتبر أقواله وإن كان يعلمها ويريدها ، لأن هذه المعرفة والإرادة غير معتبرة لعدم حصولها عن إدراك صحيح كما لا تعتبر من الصبي العاقل ، نعم يشكل عليه ما سيأتي في التعليق عن البحر ، وصرح به في الفتح والخانية وغيرهما ، وهو : لو طلق فشهد عنده اثنان أنك استثنيت وهو غير ذاكر ، إن كان بحيث إذا غضب لا يدري ما يقول وسعه الاخذ بشهادتهما ، وإلا لا اه . فإن مقتضاه أنه إذا كان لا يدري ما يقول يقع طلاقه ، وإلا فلا حاجة إلى الاخذ بقولهما إنك استثنيت ، وهذا مشكل جدا ، إلا أن يجاب بأن المراد بكونه لا يدري ما يقول أنه لقوة غضبه قد ينسى ما يقول ولا يتذكره بعد ، وليس المراد أنه صار يجري على لسانه ما لا يفهمه أو لا يقصده ، إذ لا شك أنه حينئذ يكون في أعلى مراتب الجنون ، ويؤيد هذا الحمل أنه في هذا الفرع عالم بأنه طلق وهو قاصد له ، لكنه لم يتذكر الاستثناء لشدة غضبه ، هذا ما ظهر لي في تحرير هذا المقام ، والله أعلم بحقيقة المرام . ثم رأيت ما يؤيد ذلك الجواب ، وهو أنه قال في الولوالجية : إن كان بحال لو غضب يجري على لسانه ما لا يحفظه بعده جاز له الاعتماد على قول الشاهدين ، فقوله لا يحفظه بعده صريح فيما قلنا ، والله أعلم . قوله : ( لأنه أعاد الضمير إلى غير معتبر ) أشار به إلى أن الفرق بين كلام الصبي وبين كلام النائم هو أن كلام الصبي معتبر في اللغة والنحو ، غاية الأمر أن الشارع ألغاه ، بخلاف كلام النائم فإنه غير معتبر عند أحد اه ح . قلت : وهو مأخوذ من قول الشارح ، ولذا لا يتصف بصدق ولا كذب ولا خبر ولا إنشاء . وفي التحرير : وتبطل عباراته من الاسلام والردة والطلاق ، ولم توصف بخبر وإنشاء وصدق وكذب كألحان الطيور اه . ومثله في التلويح ، فهذا صريح في أن كلام النائم لا يسمى كلاما لغة ولا شرعا بمنزلة المهمل . وأما فساد صلاته به فلان إفسادها لا يتوقف على كون الكلام معتبرا في اللغة أو الشرع ، لأنها تفسد بالمهمل أكثر من غيره ، فقد اتضح الفرق بين كلامه وكلام الصبي ، فافهم . ثم لا يخفى أنه لا حاجة إلى الفرق بينهما في قوله : أجزته لأنه لا يقع فيهما ، لان الإجازة لما ينعقد موقوفا ، وكل من طلاق الصبي والنائم وقع باطلا لا موقوفا ، كما هو الحكم في تصرفات الصبي التي هي ضرر محض كالطلاق والعتق ، بخلاف المتردد بين النفع والضرر كالبيع والشراء والنكاح فإنه ينعقد موقوفا حتى لو بلغ فأجازه صح كما قدمناه قبيل باب المهر ، وإنما يحتاج إلى الفرق بينهما في قوله : أوقعته فإنه قدم في الصبي أنه يقع لأنه ابتداء إيقاع ، ولم يجعل في النائم كذلك . وتوضيح الفرق أن كلام الصبي له معنى لغوي وإن لم يلزمه الشرع بموجبه ، فصح عود الضمير في أوقعته إلى جنس الطلاق الذي تضمنه قوله لزوجته طلقتك ، بخلاف النائم فإن كلامه لما لم يعتبر لغة أيضا كان مهملا لم يتضمن شيئا ، فقد عاد الضمير على غير مذكور أصلا ، فكأنه قال : أوقعت بدون ضمير ، فلم يصح جعله ابتداء إيقاع . قوله : ( أو جعلته طلاقا ) كذا عبارة البحر .