مرتضى مطهري ( تعريب : هادي اليوسفي )
83
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه )
وهو تقديم الأصول والمبادى ء ( الاجتماعية ) على الأصول والمبادى ء الأخلاقية ( الفردية ) وجعل الأولى أصلا والثانية فرعا عليه ، والأول جذعا والثاني غصنا ، والأول ركنا والثاني زينا وجمالا . إن العدل في نظر الإمام ( ع ) هو الأصل الذي يستطيع أن يصون توازن المجتمع ، ويرضيه ويهب له السلام والأمن والطمأنينة والاستقرار . أما الظلم والجور والتمييز الطبقي فهو لا يرضى حتى نفس الظالم والذي يظلم من أجله ، فكيف بالمظلومين والمحرومين العدل سبيل عام يسع الجميع ويصل بهم إلى حيث الطمأنينة والاستقرار ، أما الظلم والجور فهو طريق ضيق لا يصل حتى بصاحبه إلى ما يريد . نعم أن عثمان بن عفان قد وهب قسما عظيما من الأموال العامة للمسلمين إلى أقربائه وذويه في خلافته . فلما أخذ الإمام ( ع ) بأزمة الأمور طلب إليه أن لا يعيد النظر إلى ما سبق ، بل يقصر سعيه على ما يحدث له في خلافته ولكنه أجاب ( ع ) : « الحق القديم لا يبطله شيء . واللّه لو وجدته قد تزوّج به النساء ، وملك به الإمام لرددته . فإن في العدل سعة ، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق » . يعني : أن في العدل سعة خاصة تسع الجميع وتشملهم ، ومن كان مريضا متخما سمينا لا يسعه العدل فليعلم أن مكانه في الظلم والجور أضيق عليه من مكانه في العدل والقسط . وإذا ضاق تدبير الأمور على الوالي بالعدل ، فتدبير أموره بالجور أضيق عليه ، لأنه حينئذ في مظنّة أن يصدّ عن جوره . ويعني : أن العدل شيء بالإمكان أن يوصف بأنه من حدود الإيمان ، فيقنع به المؤمن ، أما إذا كان الرجل مسلوب الإيمان متجاوزا حدود العدل ، إذن لا تحده الحدود ، فإنه كلما بلغ مبلغا من شهواته تعطش إلى حدود أخرى لم يبلغها ، وأحس بالعطش أكثر فأكثر .
--> ( 1 ) الخطبة : 15 ص 269 من ج 1 من شرح النهج لابن أبي الحديد .