مرتضى مطهري ( تعريب : هادي اليوسفي )
54
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه )
أدق الأفكار في الحكمة الإلهية . وليس معنى أزلية اللّه أنه كان موجودا دائما بل هي أسمى من ذلك ، إذ أن فرض كونه دائما يستلزم فرض الزمان معه أيضا ، وهو - بالإضافة إلى وجوده في كل زمان - متقدم حتى على الزمان ، وهذا هو معنى الأزلية ، ومن هنا يتبين أن تقدم ذات الحق ليس تقدما زمانيا بل هو نوع آخر من التقدم . « الحمد للهّ الدال على وجوده بخلقه ، وبمحدث خلقه على أزليته ، وباشتباههم على أن لا شبيه له ، ولا تستلمه المشاعر ، ولا تحجبه السواتر » . يعني : أنه ظاهر وباطن ، ظاهر في ذاته ، باطن عن حواس الإنسان . وباطنيته عن حواس الإنسان من محدودية الحواس لا من ذاته سبحانه . فقد ثبت في محله ، أن الوجود يساوي الظهور ، وكلما كان الوجود أقوى وأكمل كان أظهر ، وكلما كان أضعف كان أخفى . ولكل شيء وجودان : وجود في نفسه ، ووجود لنا . والثاني يرتبط بقوانا المدركة وبشرائط أخرى ، والظهور أيضا ظهوران : ظهور في نفسه ، وظهور لنا ، أما حواسنا فبمقتضى محدوديتها إنما تستطيع أن تعكس لنا الوجودات المحدودة والمقيدة والتي لها أمثال أو أضداد ، فهي إنما تدرك الألوان والأشكال والأصوات وغيرها لمحدوديتها بالزمان والمكان ، فهي موجودة في مكان دون مكان وزمان دون زمان . فإذا كان النور - مثلا - بصورة واحدة في كل زمان ومكان لم يكن قابلا لإحساسنا به ، وإذا كان الصوت بصورة دائمة واحدة لم نكن لنسمعه أبدا . وذات اللّه ، الذي هو الوجود الصرف ، لا يحدها زمان ولامكان ، فهو باطن لحواسنا ، وظاهر في ذاته هو ، وكمال ظهوره أي كمال وجوده هو سبب خفائه عنا ، فسبب ظهوره وخفائه شيء واحد هو وجوده الكامل ، فهو باطن لكمال ظهوره ، ولكمال ظهوره باطن : يا من هو اختفى لفرط نوره * الظاهر الباطن في ظهوره
--> ( 1 ) الخطبة : 152 . ص 147 ج 9 من شرح النهج لابن أبي الحديد . ص 153 . ج 5 ط أبو الفضل .