مرتضى مطهري ( تعريب : هادي اليوسفي )
36
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه )
السمع والبصر ، وسوى له العظم والبشر . انظروا إلى النملة في صغر جثتها ولطافة هيئتها ، لا تكاد تنال بلحظ البصر ، ولا بمستدرك الفكر ، كيف دبت على أرضها ، وصبت على رزقها ، تنقل الحبة إلى جحرها ، وتعدها في مستقرها ، تجمع في حرّها لبردها ، وفي وردها لصدرها ، مكفولة برزقها ، مرزوقة بوفقها ، لا يغفلها المنان ، ولا يحرمها الديان ، ولو في الصفا اليابس ، والحجر الجامس ولو فكرت في مجاري أكلها في علوها وسفلها ، وما في الجوف من شراسيف بطنها ، وما في الرأس من عينها وأذنها لقضيت من خلقها عجبا » . ولكن أكثر بحوث نهج البلاغة في التوحيد بحوث عقلية وفلسفية ، وفيها يتبين لنا أوج عظمته . ومحور البحوث التوحيدية العقلية فيه مبتنى على أساس إطلاق الخالق عن جميع القيود والحدود ، واحاطته بجميع الوجود ، وقيمومته على جميع الكائنات . وقد أعطى الإمام ( ع ) في هذا القسم من مقاله حق الكلام ، فلم يدركه أحد قبله ولكن يدركه أحد بعده . وقسم آخر كرر فيه الإمام البحث حول مسألة : أن الخالق مطلق بسيط لا تكثر فيه ولا تجزؤ ، وأن صفات الحق عين ذاته لا تغاير بينها أبدا . وهناك مسائل أخرى عميقة من قبيل : كون الخالق أولا في آخريته وآخرا في أوليته ، وظاهرا في باطنيته وباطنا في ظاهريته ، وأنه أعلى من الزمان واسمى من العدد ، وأن قدمه ليس قدما زمانيا ووحدته ليست وحدة عددية ، وفي علو الخالق وقدرته وغناه الذاتي وإبداعه ، وأنه لا يشغله شأن عن شأن ، وأن كلامه عين فعله ، وفي مدى قدرة العقول على دركه ومعرفته ، وأن معرفته من نوع تجليه على العقول ، لا من نوع إحاطة الأفكار بمفهوم ومعنى معين ، وبكلمة : في سلب الجسمية ، والحركة ، والسكون ، والتغير ، والمكان ، والزمان ، والمثل ، والضد ، والشريك ، والشبيه ، واستخدام الآلة ، والمحدودية ، والمعدودية عنه تعالى . ومسائل أخرى ، سنذكر لكل مسألة من هذه المسائل نموذجا إن شاء اللّه تعالى . هذه هي المباحث المطروحة في هذا الكتاب العجيب ، والتي أصابت أفكار