مرتضى مطهري ( تعريب : هادي اليوسفي )
30
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه )
عام ، فهذا السيد الشريف الرضي ( ره ) الذي هو من علماء الإمامية في المئة الرابعة أي قبل ألف سنة ، ويلتفت إلى هذه النقطة فيعجب بها ويقول : « ومن عجائبه التي انفرد بها ، وأمرن المشاركة فيها : أن كلامه الوارد في الزهد والمواعظ والتذكير والزواجر إذا تأمله المتأمل وفكر فيه المفكر ، وخلع من قلبه : أنه كلام مثله ممن عظم قدره ونفذ أمره وأحاط بالرقاب ملكه ، لم يعترضه الشك في أنه كلام من لاحظ له في غير الزهادة ، ولا شغل له بغير العبادة ، قد قبع في كسر بيت أو انقطع إلى سفح جبل ، لا يسمع إلا حسهّ ولا يرى إلا نفسه . ولا يكاد يوقن بأنه كلام من ينغمس في الحرب مصلتا سيفه فيقطّ الرقاب ويجدل الأبطال ويعود به ينطف دما ويقطر مهجا ، وهو مع تلك الحال زاهد الزهاد وبدل الأبدال وهذه من فضائله العجيبة وخصائصه اللطيفة التي جمع بها بين الأضداد وألف بين الأشتات . وكثيرا ما اذاكر الأخوان بها واستخرج عجبهم منها . وهي موضع العبرة بها والفكر فيها » . وقد أعجب الشيخ محمد عبده بهذا أيضا ، حيث إن القارى ء في نهج البلاغة يسير به في عوالم عديدة وقد أبدى إعجابه بهذا في مقدمته فقال : « فتصفحت بعض صفحاته ، وتأملت جملا من عباراته ، من مواضع مختلفات ، ومواضع متفرقات ، فكان يخيل لي في كل مقام أن حروبا شبّت وغارات شنّت ، وأن للبلاغة دولة وللفصاحة صولة . . . وإن مدبر تلك الدولة وباسل تلك الصولة هو حامل لوائها الغالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب . بل كنت كلما انتقلت من موضع إلى موضع أحس بتغيّر المشاهد وتحول المعاهد » . وقال صفي الدين الحلي - المتوفي في القرن الثامن الهجري - بهذا الصدد : جمعت في صفاتك الأضداد * ولهذا عزت لك الأنداد زاهد حاكم حليم شجاع فاتك ناسك فقير جواد * شيم ما جمعن في بشر قط ولا حاز مثلهن العباد
--> ( 1 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ج 1 ص 49 . ( 2 ) مقدمة عبده ص 10 .