مرتضى مطهري ( تعريب : هادي اليوسفي )

124

في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه )

نعم فما هي هذه القدرة التي لا تحركه معها العواصف ولا تزعزعه القواصف فيسكن بها ويسكت مع إثارتها له بهذه الكلمات ، وهي العزيزة لديه منتهى العزة والكرامة بل ويسكنها ويهدّئها حتى يسعها تقول : « حسبي اللّه ونعم الوكيل » . هذا سكوته العظيم وأما قيامه الأهم والأعظم . والذي انفرد به هو ( ع ) وباهى وقال : « . . . ولم يكن ليجترى ء عليها أحد غيري . . . » فهو قيامه بالأمر والسيف أمام كل من خرج عليه من عائشة أم المؤمنين ، وطلحة والزبير الكبيرين العظيمين ، ومعاوية الأهم والأعظم ، والخوارج المرقة : « . . . فأنا فقأت عين الفتنة ، ولم يكن ليجترى ء عليها أحد غيري ، بعد أن ماج غيهبها واشتد كلبها . . » . وقد كان الخوارج من ظاهر التقوى والدين على أمر كانوا يشككون به في الحق كل مؤمن نافذ الإيمان فضلا عن غيرهم ، وقد أوجدوا بخروجهم على الإمام ( ع ) جوا مظلما مبهما ، مليئا بالشك والقلق والتردد والاضطراب إنهم كانوا ( اثني عشر ألف ) رجل في جباههم من أثر السجود كثفنة البعير ، يعيشون عيشة الزاهدين يأكلون أكلهم ويلبسون ملبسهم ، دائمي الذكر للهّ بألسنتهم ولكنهم لم يكونوا يعرفون من روح الإسلام أي شيء ولو يتثقفوا به ثقافة عالية ، انهم كانوا يحاولون أن يجبروا كل كسر في الإسلام بالصلاة والصيام قاصري النظر ، يتعبدون بالظواهر ويجمدون عليها وهم يجهلون حقائقها . . . ولذلك فهم كانوا يشكلون أكبر الخطر على الإسلام ويصبحون سدا دون فهم معانيه . . . ولذلك نرى الإمام ( ع ) يفتخر في التاريخ بأنه هو الذي أدرك الخطر الذي كان يصيب الإسلام من ناحية هؤلاء المتقدسين الجامدين ، وأن جباههم الساجدة وملابسهم الزاهدة وألسنتهم العابدة لم تستطع أن تعمي بصيرته عن إدراك خطرهم على الإسلام والمسلمين ، وأنهم إذا أهملوا لما يريدون كانوا يجرون بالدين إلى الجمود على الظواهر والقشور ، والحجر على الأفكار . . .