ابن عابدين

685

حاشية رد المحتار

وروى ابن المبارك أنه ( ص ) قال : إن الله عز وجل قد غفر لأهل عرفات وأهل المشعر وضمن عنهم التبعات ، فقام عمر فقال : يا رسول الله هذا لنا خاصة ؟ قال : هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة ، فقال عمر رضي الله عنه : كثر خير ربنا وطاب وتمامه في الفتح ، وساق فيه أحاديث أخر . والحاصل أن حديث ابن ماجة وإن ضعف فله شواهد تصححه ، والآية أيضا تؤيده ، ومما يشهد له أيضا حديث البخاري مرفوعا من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه وحديث مسلم مرفوعا : إن الاسلام يهدم ما كان قبله ، وإن الهجرة تهدم ما كان قبلها ، وإن الحج يهدم ما كان قبله لكن ذكر الأكمل في الشرح مشارق في هذا الحديث أن الحربي تحبط ذنوبه كلها بالاسلام والهجرة والحج ، حتى لو قتل وأخذ المال وأحرز بدار الحرب ثم أسلم لم يؤاخذ بشئ من ذلك ، وعلى هذا كان الاسلام كافيا في تحصيل مراده ، ولكن ذكر ( ص ) الهجرة والحج تأكيدا في بشارته وترغيبا في مبايعته ، فإن الهجرة والحج لا يكفران المظالم ولا يقطع فيهما بمحو الكبائر ، وإنما يكفران الصغائر . ويجوز أن يقال : والكبائر التي ليست من حقوق أحد كإسلام الذمي اه‍ ملخصا . وكذا ذكر الامام الطبي في شرحه وقال : إن الشارحين اتفقوا عليه ، وهكذا ذكر النووي والقرطبي في شرح مسلم كما في البحر . وفي شرح اللباب ) : ومشى الطيبي على أن الحج يهدم الكبائر والمظالم . ووقع منازعة غريبة بين أمير بادشاه من الحنفية حيث مال إلى قول الطيبي وبين الشيخ ابن حجر المكي من الشافعية ، وقد مال إلى قول الجمهور وكتبت رسالة في بيان هذه المسألة ا ه‍ . قلت : وظاهر كلام الفتح الميل إلى تكفير المظالم أيضا ، وعليه مشى الامام والسرخسي في شرح السير الكبير ، وقاس عليه الشهيد الصابر المحتسب ، وعزاه أيضا المناوي إلى القرطبي من شرح حديث من حج فلم يرفث الخ فقال : وهو يشمل الكبائر والتبعات ، وإليه ذهب القرطبي . وقال عياض : هو محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجز عن وفائها . وقال الترمذي : هو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحق الله تعالى لا العباد ، ولا يسقط الحق نفسه بل من عليه صلاة يسقط عنه إثم تأخيرها لا نفسها ، فلو أخرها بعده تجدد إثم آخر ا ه‍ . ونحوه في البحر . وحقق ذلك البرهان اللقاني في شرحه الكبير على جوهرة التوحيد بأن قوله ( ص ) ، خرج من ذنوبه لا يتناول حقوق الله تعالى وحقوق عباده ، لأنها في الذمة ليست ذنبا ، وإنما الذنب المطل فيها ، فالذي يسقط : إثم مخالفة الله تعالى ا ه‍ . والحاصل أن تأخير الدين وغيره وتأخير نحو الصلاة والزكاة من حقوقه تعالى ، فيسقط إثم التأخير فقط عما مضى دون الأصل ودون التأخير المستقبل . قال في البحر : فليس معنى التكفير كما يتوهمه كثير من الناس أن الدين يسقط عنه ، وكذا قضاء الصلاة والصوم والزكاة إذ لم يقل أحد بذلك ا ه‍ . وبهذا ظهر أن قول الشارح كحربي أسلم في غير محله لاقتضائه كما قال ح : سقوط نفس الحق ، ولا قائل به كما علمته ، بل هذا الحكم يخص الحربي كما مر عن الأكمل