ابن عابدين

499

حاشية رد المحتار

كتاب الحج لما كان مركبا من المال والبدن وكان واجبا في العمر مرة ومؤخرا في حديث : بني الاسلام على خمس أخره وختم به العبادات : أي الخالصة ، وإلا فنحو النكاح والعتاق والوقف يكون عبادة عند النية ، لكنه لم يشرع لقصد التعبد فقط ، ولذا صح بلا نية ، بخلاف أركان الاسلام الأربعة فإنها لا تكون إلا عبادة لاشتراط النية فيها ، هذا ما ظهر لي . وأورد في النهر على قولهم مركب : إنه عبادة بدنية محضة ، والمال إنما هو شرط في وجوده لا أنه جزء مفهومه اه‍ . وفيه أن كونه عبادة مركبه مما اتفقت عليه كلمتهم أصولا وفروعا حتى أوجبوا الحج عن الميت وإن فات عمل البدن لبقاء الجزء الآخر وهو المال كما سيجئ تقريره ، وليس قولهم إنه مركب تعريفا له لبيان ماهيته حتى يقال : إن المال شرط فيه لا جزء مفهومه ، بل المراد بيان أن التعبد به لا يتوصل إليه غالبا إلا بأعمال البدن وإنفاق المال لأجله ، والصلاة والصوم وإن كانتا لا بد لهما من مال كثوب يستر عورته وطعام يقيم بنيته فإن ذلك ليس لأجلهما ، بمعنى أنه لولاهما لم يفعله ، ولذا لم يجعل المال من شروطهما ، وجعل من شروطه ، وأيضا فإن المال فيهما يسير لا مشقة في إنفاقه ، بخلاف المال في حج الآفاقي ، فإنه كثير فناسب أن يكون مقصودا في العبادة ولذا وجب دفعه إلى النائب عند العجز الدائم عن الافعال ، ولم يجب الحج على الفقير القادر على المشي ، ووجبت الصلاة والصوم على العاجز عن الساتر والسحور ، هذا ما ظهر لي ، فافهم . قوله : ( بفتح الحاء وكسرها ) بهما قرئ في السبع ، وقيل الأول الاسم والثاني المصدر ، ط على المنح والنهر . قوله : ( كما ظنه بعضهم ) هو الزيلعي تبعا لاطلاق كثير من كتب اللغة ، ونقل في الفتح تقييده بالمعظم عن ابن السكيت ، وكذا قيده به السيد الشريف في تعريفاته ، وكذا في الاختيار . قوله : ( وشرعا زيارة الخ ) اعلم أنهم عرفوه بأنه قصد البيت لأداء ركن من أركان الدين ففيه معنى اللغة ، واعترضهم في الفتح بأن أركانه الطواف ، والوقوف ، ولا وجود للمتشخص إلا بأجزائه المشخصة ، وماهيته الكلية منتزعة منها ، وتعريفه بالقصد لأجل الأعمال مخرج لها عن المفهوم ، اللهم إلا أن يكون تعريفا اسميا غير حقيقي فهو تعريف لمفهوم الاسم عرفا ، لكن فيه أن المتبادر من الاسم عند الاطلاق هو الأعمال المخصوصة لا نفس القصد المخرج لها عن المفهوم مع أنه فاسد في نفسه ، فإنه لا يشمل الحج النفل ، والتعريف إنما هو للحج مطلقا كتعريف الصلاة والصوم وغيرهما ، لا للفرض فقط ، ولأنه حينئذ يخالف سائر أسماء العبادات فإنها أسماء للأفعال كالصلاة للقيام ، والقراءة الخ ، والصوم للامساك الخ ، والزكاة لأداء المال ، فليكن الحج أيضا عبارة عن الافعال الكائنة عند البيت وغيره كعرفة اه‍ . ملخصا . فعدل الشارح عن تفسير الزيلعي الزيارة بالقصد إلى تفسيرها بالطواف والوقوف تبعا للبحر ليكون اسما للأفعال كسائر أسماء العبادات ، ولما ورد عليه أن يكون قوله : بفعل مخصوص حشوا ، إذ المراد به كما قالوا هو الطواف والوقوف تخلص عنه بتفسيره بأن يكون محرما الخ . قيل : ولا يخفى ما فيه لأنه يلزم عليه إدخال الشرط : أي الاحرام في التعريف ، فلو أبقى الزيارة على معناها اللغوي وهو الذهاب وفسر الفعل المخصوص بالطواف والوقوف لكان أولى اه‍ .