ابن عابدين

26

حاشية رد المحتار

أقول : الظاهر أن حديث الطبراني الأول بيان لكون وقته بعد صلاة العشاء ، حتى لو نام ثم تطوع قبلها لا يحصل السنة ، فيكون حديث الطبراني الثاني مفسرا للأول ، وهو أولى من إثبات التعارض والترجيح لان فيه ترك العمل بأحدهما ، ولأنه يكون جاريا على الاصطلاح ، ولأنه المفهوم من إطلاق الآيات والأحاديث ، ولان التهجد إزالة النوم بتكلف مثل ، تأثم : أي تحفظ عن الاثم نعم صلاة الليل وقيام الليل أعم من التهجد ، وبه يجاب عما أورد على قول الإمام أحمد ، هذا ما ظهر لي والله أعلم . تنبيه : ظاهر ما مر أن التهجد لا يحصل إلا بالتطوع ، فلو نام بعد صلاة العشاء ثم قام فصلى فوائت لا يسمى تهجدا ، وترد فيه بعض الشافعية . قلت : والظاهر أن تقييده بالتطوع بناء على الغالب وأنه يحصل بأي صلاة كانت ، لقوله في الحديث المار وما كان بعد صلاة العشاء فهو من الليل ثم اعلم أن ذكره صلاة الليل من المندوبات مشى عليه في الحاوي القدسي ، وقد تردد المحقق في فتح القدير في كونه سنة أو مندوبا ، لان الأدلة القولية تفيد الندب ، والمواظبة الفعلية تفيد السنية ، لأنه ( ص ) إذا واظب على تطوع يصير سنة لكن هذا بناء على أنه كان تطوعا في حقه ، وهو قول طائفة . وقالت طائفة : كان فرضا عليه فلا تفيد مواظبته عليه السنية في حقنا ، لكن صريح ما في مسلم وغيره عن عائشة أنه كان فريضة ثم نسخ ، هذا خلاصة ما ذكره ، ومفاده اعتماد السنية في حقنا ، لأنه ( ص ) واظب عليه بعد نسخ الفرضية ، ولذا قال في الحية : والأشبه أنه سنة . قوله : ( وأقلها على ما في الجوهرة ثمان ) قيد بقوله : على ما في الجوهرة لأنه في الحاوي القدسي قال : يصلي ما سهل عليه ولو ركعتين ، والسنة فيها ثمان ركعات بأربع تسليمات ا ه‍ . والتقييد بأربع تسليمات مبني على قول الصاحبين ، وأما على قول الإمام فلا ، كما ذكره في الحلية ، وقال فيها أيضا : وهذا بناء على أن أقل تهجده ( ص ) كان ركعتين ، وأن منتهاه كان ثماني ركعات أخذا مما في مبسوط السرخسي ، ثم ساق تبعا لشيخه المحقق ابن الهمام الأحاديث الدالة على ما عينه في المبسوط من منتهاه ، وحديث أبي داود الدال على أن أقل تهجده ( ص ) أربع سوى ثلاث الوتر ، وتمام ذلك فيها فراجعها ، لكن ذكر آخر عنه ( ص ) من استيقظ من الليل وأيقظ أهله فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات رواه النسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم ، وقال المنذري : صحيح على شرط الشيخين ا ه‍ . أقول : فينبغي القول بأن أقل التهجد ركعتان ، وأوسطه أربع ، وأكثره ثمان ، والله أعلم . قوله : ( ولو جعله أثلاثا الخ ) أي لو أراد أن يقوم ثلثه وينام ثلثيه فالثلث الأوسط أفضل من طرفيه ، لان الغفلة فيه أتم والعبادة فيه أثقل ، ولو أراد أن يقوم نصفه وينام نصفه فقيام نصفه الأخير أفضل لقلة المعاصي فيه غالبا ، وللحديث الصحيح ينزل ربنا إلى سماء الدنيا في كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير ، فيقول : من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ ومعنى ينزل ربنا : ينزل أمره كما أوله به الخلف وبعض أكابر السلف ، وتمامه في تحفة ابن حجر ، وذكر أن الأفضل من الثلث الأوسط السدس الرابع والخامس ، للخبر المتفق عليه أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود ، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ا ه‍ . وبه جزم في الحلية .