أبو علي سينا

الفن السابع 7

الشفاء ( الطبيعيات )

أحوال بعضها ينفعها « 1 » في أنفسها ، مثل كونها ذوات عروق منها تغتذى ، وذوات لحاء « 2 » بها تتقى ، وبعضها لينتفع بها غيرها من الحيوان ، كما زين بعضها بالتزايين ، « 3 » التي إنما ينتفع بها الحاس لا غير ، وينتفع بها لا المزين ، « 4 » بل غيره ، مثل النقوش الحسنة والأراييح الطيبة . ولما كان التكون بالتصور والتشكل ، والتصور والتشكل لا تنقاد له إلا الرطوبة ، فلا بد في التصور الأولى من رطوبة ؛ « 5 » ولأن قوام المغتذى بالغذاء على أنه شبيه بالقوة ، والغذاء يغذو بالاتصال ، والاتصال لا يسهل إلا بالرطوبة . وأيضا فلا بد في بقاء المتصور من رطوبة ، وذلك لأن المتصل والمتصل به يتشابهان « 6 » بالفعل إذا صار الغذاء غذاء بالفعل ، فيكون الأصل أيضا رطبا في نفسه إذ كان الوارد شبيها به ولم يجر في المجارى إلا رطبا . ولما كان الغذاء يحتاج إلى سهولة الافتراق ، وسهولة السيلان ، لم يكن أيضا بد من رطوبة . ولما كان الطبخ والتسييل والتفريق بالتحليل لا يصدر إلا عن الحار ، لم يكن بد للبدن المغتذى من حرارة . فإذن الحياة النباتية ، وبالجملة الغذائية ، تتعلق بالرطوبة والحرارة . فمزاج كل نبات رطب حار في نفسه ، وهو الغالب عليه . وإن كان منه ما هو بالقياس إلى أبداننا يابس بارد . وسنتكلم في هذا الباب بعض الكلام إذا عرض « 7 » وقته . وإذا كانت هذه الحياة بالرطوبة والحرارة ، فالموت المقابل إنما يعرض لفناء مادة الرطوبة وطفوء « 8 » الحرارة . وذلك لأن هذه الحياة لجرم رطب وحار ، والرطب الحار يتحلل والمتحلل ينتهى تحلله أو يأتيه بدل ، فالبدل رطب ، فإذا انقطعت مادة الرطوبة وطفئت الحرارة المتعلقة بها على سبيل التغذى ، وعلى نحو ما قيل في مواضع أخرى ، وعلى ما بسطناه كل البسط في كتابنا الكبير في صناعة الطب ، لزم أن يفسد جوهر الذي له هذه الحياة . فإذن استحالة مزاج مثله إلى برد ويبس فناء .

--> ( 1 ) ينفعها : لنفعها د ( 2 ) لحاء : الحاء د ، سا ( 3 ) بالتزايين : بالتزاين م . ( 4 ) المزين : المتزين سا ( 5 ) رطوبة : الرطوبة ط . ( 6 ) يتشابهان : متشابهان ط‍ ( 7 ) عرض : أعرض م ( 8 ) وطفوء : وانطفاء ط .