أبو علي سينا

الفن السادس 227

الشفاء ( الطبيعيات )

وربما كان العلم القريب « 1 » جاريا مجرى التنبيه ، وكان مع خفة المئونة فيه كالمذهوب عنه ، فلا ترجع الفطنة إلى طريقه لضعف الفهم ، فيحتاج أن يؤخذ فيه مأخذ بعيد . فبين من هذا أن لهذه القوى مجمعا هو الذي تؤدى كلها إليه ، وأنه غير جسم وإن كان مشاركا للجسم أو غير مشارك . وإذ قد بينا صحة هذا الرأي « 2 » فيجب أن نحل الشبه المذكورة . أما الشبهة الأولى ، فنقول : إنه ليس يجب إذا كانت النفس واحدة الذات أن لا تفيض عنها في أعضاء مختلفة قوى مختلفة ، بل من الجائز أن يكون أول « 3 » ما يفيض عنها في البزر والمنى قوة الإنشاء ، فتنشىء « 4 » أعضاء على حسب موافقة أفعال « 5 » تلك القوة . ويستعد كل عضو لقبول قوة خاصة لتفيض عنه ، « 6 » ولولا ذلك لكان خلق البدن معطلا لها . وأما من تشكك فجعل النفس عالمة لذاتها « 7 » فهو فاسد ، فإنه ليس يجب إذا كان جوهر النفس خاليا بذاته عن العلم أن يستحيل له وجود العلم . فإنه فرق بين أن يقال : إن جوهر الشئ باعتبار ذاته لا يقتضى العلم ، وبين أن يقال : إن جوهره بذلك الاعتبار يقتضى أن لا يعلم ، فإن لزوم الجهل مع كل واحد من القولين مختلف . فإنا وإن « 8 » سلمنا أن النفس بجوهرها جاهلة ، فإنما نعنى أن جوهرها إذا انفرد ولم يتصل به سبب من خارج لزمه الجهل ، بشرط الانفراد مع شرط الجوهر ، لا بشرط الجوهر وحده . ولسنا نعنى بهذا أن جوهرها جوهر لا يعرى عن الجهل ، وإن لم نسلم ، بل قلنا : إن ذلك أمر عارض لها ، فليس يجب أن يكون مثل هذا العارض واردا على الأمر الطبيعي ، فإنه ليس إذا قلنا : إن الخشبة خالية عن صورة السريرية ، وأن ذلك الخلو ليس لجوهرها ، « 9 » بل أمر عارض لها « 10 » جائز الزوال . كان هذا القول كأنك « 11 » تقول : يجب أن يكون قد كانت فيه « 12 » صورة السريرية ثم انفسخت . « 13 »

--> ( 1 ) القريب : بالقريب د . ( 2 ) الرأي : ساقطة من د . ( 3 ) أول : أولا حسب موافقة أفعال د ( 4 ) فتنشىء : فتنشأ د . ( 5 ) حسب موافقة أفعال : ساقطة من د . ( 6 ) عنه : عنها ف . ( 7 ) لذاتها : بذاتها ك . ( 8 ) وإن : إذا ك ، م . ( 9 ) لجوهرها : بجوهرها ك ( 10 ) لها : له د ، ك ، م . ( 11 ) كأنك : كأنا د . ( 12 ) فيه : فيها ف ( 13 ) ثم انفسحت : وانفسخت م .