أبو علي سينا
الفن السادس 207
الشفاء ( الطبيعيات )
قد علمت . فقد بان إذن أن النفس الإنسانية لا تفسد البتة ، وإلى هذا سقنا كلامنا واللّه الموفق . وقد « 1 » أوضحنا أن الأنفس إنما حدثت وتكثرت مع تهيؤ من الأبدان . على أن تهيؤ الأبدان يوجب « 2 » أن يفيض « 3 » وجود النفس لها من العلل المفارقة ، وظهر من ذلك أن هذا لا يكون على سبيل الاتفاق والبخت ، حتى يكون وجود النفس الحادثة ليس « 4 » لاستحقاق هذا المزاج نفسا حادثة مدبرة ، ولكن قد كان وجدت « 5 » نفس « 6 » واتفق أن وجد معها بدن فتعلق بها ، فإن مثل هذا لا يكون علة ذاتية البتة للتكثر ، بل عسى أن تكون عرضية . وقد عرفنا أن العلل الذاتية هي التي يجب أن تكون أولا ، ثم ربما تليها العرضية ، فإذا « 7 » كان كذلك ، فكل بدن يستحق مع حدوث مزاج مادته حدوث نفس له ، وليس بدن يستحقه وبدن لا يستحقه ، إذ أشخاص الأنواع لا تختلف في الأمور التي بها تتقوم . وليس يجوز أن يكون بدن إنساني يستحق نفسا يكمل بها وبدن آخر هو « 8 » في حكم مزاجه بالنوع ولا يستحق ذلك ، بل إن اتفق كان وإن « 9 » لم يتفق لم يكن ، فإن هذا حينئذ لا يكون من نوعه . فإذا فرضنا أن نفسا تناسختها أبدان ، وكل بدن فإنه بذاته يستحق نفسا تحدث له وتتعلق به ، فيكون البدن الواحد فيه نفسان معا . ثم العلاقة بين النفس والبدن ليست هي « 10 » على سبيل الانطباع فيه ، كما بيناه مرارا ، بل العلاقة التي بينهما هي علاقة الاشتغال من النفس بالبدن ، حتى تشعر النفس بذلك البدن ، وينفعل البدن عن تلك النفس . وكل حيوان فإنه يستشعر نفسه نفسا واحدة هي المصرفة « 11 » والمدبرة للبدن الذي له ، فإن كان هناك نفس أخرى لا يشعر الحيوان بها ولا هي « 12 » بنفسه « 13 » ولا تشتغل « 14 » بالبدن ، فليست لها علاقة مع البدن « 15 » . لأن العلاقة لم تكن إلا بهذا النحو ، فلا يكون تناسخ بوجه من الوجوه . وبهذا المقدار لمن أراد الاختصار كفاية ، بعد أن فيه كلاما طويلا .
--> ( 1 ) وقد : فقد ك ، م . ( 2 ) يوجب : بموجب م ( 3 ) يفيض : يقبض م . ( 4 ) ليس : ساقطة من م ( 5 ) وجدت : حدث ف . ( 6 ) نفس : النفس ك ، م . ( 7 ) فإذا : فإن م . ( 8 ) هو : وهو م . ( 9 ) إن : ساقطة من م . ( 10 ) ليست هي : ليس هو د ، ف ، ك . ( 11 ) المصرفة : المتصرفة ك . ( 12 ) هي : هو د ( 13 ) بنفسه : بنفسها م ( 14 ) ولا تشتغل : ولا تشغل م ( 15 ) مع البدن : بالبدن ك .