أبو علي سينا
الفن السادس 196
الشفاء ( الطبيعيات )
عليه الجمع بين الأمرين . وشواغله من جهة البدن « 1 » هي « 2 » : الإحساس والتخيل والشهوات والغضب والخوف والغم والفرح والوجع . « 3 » وأنت تعلم هذا بأنك إذا أخذت تفكر في معقول تعطل عليك كل شئ من هذه ، إلا أن تغلب هي النفس وتقسرها « 4 » رادة إياها إلى جهتها . وأنت تعلم أن الحس يمنع النفس عن التعقل ، فإن النفس إذا أكبت على المحسوس شغلت عن المعقول من غير أن يكون أصاب آلة العقل أو ذاته « 5 » آفة بوجه ؛ وتعلم أن السبب في ذلك هو اشتغال النفس بفعل دون فعل ، فكذلك « 6 » الحال والسبب إذا عرض أن تعطلت أفعال العقل عند المرض . ولو كانت الملكة العقلية المكتسبة قد بطلت وفسدت لأجل الآلة ، لكان رجوع الآلة إلى حالها يحوج إلى اكتساب من رأس . « 7 » وليس الأمر كذلك ، فإنه قد تعود النفس إلى ملكتها وهيئتها عاقلة بجميع ما عقلته بحالها إذا عاد البدن إلى سلامته ، فقد كان إذن ما كسبته موجودا معها بنوع ما إلا أنها كانت مشغولة عنه . وليس اختلاف جهتي فعل النفس فقط يوجب في أفعالها « 8 » التمانع ، بل تكثّر أفعال جهة واحدة قد « 9 » يوجب ذلك بعينه . فإن الخوف يغفل « 10 » عن الوجع والشهوة تسد « 11 » عن الغضب ، والغضب يصرف عن الخوف ، والسبب في جميع ذلك واحد وهو انصراف النفس بالكلية إلى أمر واحد . فبين من هذا أنه لبس يجب إذا لم يفعل شئ فعله عند اشتغاله بشيء أن لا يكون فاعلا فعله إلا عند وجود ذلك الشئ المشتغل به . ولنا أن نتوسع في بيان هذا الباب ، إلا أن الإمعان في المطلوب بعد بلوغ الكفاية منسوب إلى التكلف لما لا يحتاج إليه . فقد ظهر من أصولنا التي قررنا أن النفس ليست منطبعة في البدن ولا قائمة به ، فيجب أن يكون اختصاصها به « 12 » على سبيل مقتضى هيئة فيها جزئية جاذبة إلى الاشتغال بسياسة البدن الجزئي ، لعناية « 13 » ذاتية مختصة به ، صارت النفس عليها كما وجدت مع وجود بدنها الخاص بهيئته « 14 » ومزاجه .
--> ( 1 ) البدن : الأبدان م ( 2 ) هي : ساقطة من د ، ك ، م . ( 3 ) والوجع : والوجع ك . ( 4 ) وتقسرها : وتقرها د . ( 5 ) ذاته : ذاتها د ، ك . ( 6 ) فكذلك : فلذلك م . ( 7 ) رأس : الرأس ، ك ، م . ( 8 ) أفعالها : أفعاله د ، ك . ( 9 ) قد : فقد د ( 10 ) يغفل : يعقل م . ( 11 ) تسد : تصد د ، م ؛ ساقطة من ك . ( 12 ) به ( الثانية ) : ساقطة من د . ( 13 ) لعناية : بعناية ك . ( 14 ) بهيئته : بهيئاته ك .