أبو علي سينا

الفن السادس 80

الشفاء ( الطبيعيات )

من غير حاجة إلى وجود ما يحتاج إليه الجدار الذي لا يكفى في أن يرى على ما هو عليه وجود الهواء والماء وما يشبههما بينه وبين البصر ، بل يحتاج إلى أن يكون الشئ الذي سميناه نورا قد غشيه حتى يرى حينئذ ، ويكون ذلك النور تأثيرا من جسم ذي ضوء فيه إذا قابله وكان بينهما جسم ليس من شأنه أن يحجب تأثير المضيء في قابل النور كالهواء والماء فإنه يعين ولا يمنع . فالأجسام بالقسمة الأولى على قسمين : جسم ليس من شأنه هذا الحجب المذكور وليسم الشاف ، وجسم من شأنه هذا الحجب كالجدار والجبل . والذي من شأنه هذا الحجب فمنه ما من شأنه أن يرى من غير حاجة إلى حضور شئ آخر بعد وجود المتوسط الشاف ، وهذا هو المضيء كالشمس والنار ومثله « 1 » غير شفاف ، بل هو حاجب عن إدراك ما وراءه . فتأمل إظلال المصباح عن المصباح ، فإن أحدهما يمنع « 2 » أن يفعل الثاني فيما هو بينهما ، وكذلك يحجب البصر عن رؤية ما وراء . ومنه ما يحتاج إلى حضور شئ آخر يجعله بصفة وهذا هو الملون . « 3 » فالضوء كيفية القسم الأول من حيث هو كذلك ، واللون كيفية القسم الثاني من حيث هو كذلك . فإن الجدار لا يمكن المضيء أن ينير « 4 » شيئا خلفه ، ولا هو بنفسه منير ، فهو الجسم الملون بالقوة ، واللون بالفعل إنما يحدث بسبب النور ، فإن النور إذا وقع على جرم ما حدث فيه بياض بالفعل أو سواد أو خضرة أو غير ذلك . فإن لم يكن كان أسود فقط مظلما ، لكنه بالقوة ملون إن عنينا باللون بالفعل هذا الشئ الذي هو بياض وسواد وحمرة وصفرة وما أشبه ذلك . ولا يكون البياض بياضا والحمرة حمرة إلا أن تكون على الجهة التي نراها ولا تكون على هذه الجهة « 5 » إلا أن تكون منيرة . ولا يظن « 6 » أن البياض على الجهة التي نراها والحمرة وغير ذلك يكون موجودا بالفعل في الأجسام ، لكن « 7 » الهواء المظلم يعوق عن إبصاره ، فإن الهواء نفسه لا يكون مظلما إنما المظلم هو الذي هو المستنير . والهواء نفسه وإن كان

--> ( 1 ) ومثله : + فإنه ك . ( 2 ) يمنع : + عن ف . ( 3 ) الملون : اللون ك . ( 4 ) ينير : يبين م . ( 5 ) الجهة ( الثانية ) : الصفة ك ؛ ساقطة من د ، ك . ( 6 ) ولا يظن : ولا يظنن م . ( 7 ) لكن : لئن ك .