أحمد بن محمد الخفاجي
192
تفسير آية المودة
ومن ذلك ما رواه سبط ابن الجوزي « 1 » بسنده إلى عبد اللَّه بن المبارك وكان يحجّ سنةً ويغزو سنةً قال : فلمّا كان السنة التي أحجّ فيها خرجت بخمس مائة دينار إلى موقف الجمّال بالكوفة لأشتري جملًا فرأيت امرأةً على بعض المزابل تنتف ريش بطّة ميّتة فتقدّمت إليها فقلت : ما تفعلين بهذا ؟ فقالت : يا عبد اللَّه لا تسأل عمّا لا يعنيك . قال : فوقع في خاطري من كلاهما شيء فألححت عليها فقالت : يا عبد اللَّه قد ألجأتني إلى كشف سرّي إليك أنا امرأة علوية ولي أربع بنات يتامى مات أبوهنّ من قريب وهذا [ هو ] اليوم الرابع ما أكلنا شيئاً وقد حلّت لنا الميتة فأخذت هذه البطة أصلحها وأحملها إلى بناتي فنأكلها / 59 / أ / قال : فقلت في نفسي : ويحك يا ابن المبارك أين أنت عن هذه ؟ فقلت : افتحي حجرك ففتحته فصببت الدنانير في طرف إزارها وهي مطرقة لا تلتفت . قال : ومضيت إلى المنزل ونزع اللَّه تعالى من قلبي شهوة الحجّ في ذلك العام ثمّ تجهزّت إلى بلادي فأقمت حتّى حجّ الناس وعادوا فخرجت لأتلقّي [ الناس من ] جيراني وأصحابي فجعل كلّ من أقول له : قبّل اللَّه حجّك وشكر سعيك يقول لي : وأنت قبّل اللَّه حجّك وشكر سعيك إنّا قد اجتمعنا بك في مكان كذا وكذا . وأكثر عليّ الناس في القول فبتّ متفكّراً في ذلك فرأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في المنام وهو يقول لي : يا عبد اللَّه لا تعجب فإنّك أغثت ملهوفةً من ولدي فسألت اللَّه أن يخلق على صورتك ملكاً يحجّ عنك كلّ عام إلى يوم القيامة فإن شئت أن تحجّ [ فحجّ ] وإن شئت لا تحجّ . قال سبط ابن الجوزي رحمه اللَّه عقبه : وقد روي من طريق آخر أنّ ولداً صغيراً لابن المبارك دخل بيت بعض الأشراف فوجدهم يأكلون لحماً فلم يطعموه فجاء [ ابن ] ابن المبارك / 59 / ب / وهو يبكي فسأله فقال : دخلت بيت فلان وهم يأكلون فلم يطعموني وكانوا جيرانه فأرسل إليهم ابن المبارك يعاتبهم ! فأرسلت إليه العجوز تقول له : قد أحوجتنا إلى كشف أحوالنا قد مات صاحب الدار وخلّف أيتاماً ولنا خمسة أيّام ما أكلنا طعاماً وإنّني قد خرجت إلى مزبلة فوجدت عليها بطّةً ميتةً فأخذتها وأصلحتها ودخل ابنك ونحن نأكل فما جاز لي أن أطعمه وهو يجد الحلال ويقدر عليه . فبكى ابن المبارك وبعث إليهم بخمس مائة دينار ولم يحجّ في ذلك العام .
--> ( 1 ) - ذكره سبط ابن الجوزي في الحكاية الأولى ممّا حكاها في آخر كتابه تذكرة الخواص ، ص 380 .