الآلوسي
478
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
سورة الكوثر وتسمى كما قال البقاعي سورة النحر . وهي مكية في قول ابن عباس والكلبي ومقاتل ، ونسب في البحر إلى الجمهور ، مدنية في قول الحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد ، وفي الإتقان أنه الصواب ورجحه النووي عليه الرحمة في شرح صحيح مسلم لما أخرج الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي في سننه وغيرهم عن أنس بن مالك قال : أغفى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إغفاءة فرفع رأسه متبسما فقال : « إنه أنزل عليّ آنفا سورة » فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ حتى ختمها الحديث . وفي أخبار سبب النزول ما يقتضي كلّا من القولين وستسمع بعضا منها إن شاء اللّه تعالى . ومن هنا استشكل أمرها وذكر الخفاجي أن لبعضهم تأليفا صحح فيه أنها نزلت مرتين وحينئذ فلا إشكال . وآيها ثلاث بلا خلاف وليس في القرآن كما أخرج البيهقي عن ابن شبرمة سورة آيها أقل من ذلك بل قد صرحوا بأنها أقصر سورة في القرآن . وقال الإمام : هي كالمقابلة للتي قبلها لأن السابقة وصف اللّه تعالى فيها المنافق بأربعة أمور البخل وترك الصلاة والرياء ومنع الزكاة فذكر عزّ وجل في هذه السورة في مقابلة البخل إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [ الكوثر : 1 ] أي الخير الكثير ، وفي مقابلة ترك الصلاة فَصَلِّ [ الكوثر : 2 ] أي دم على الصلاة ، وفي مقابلة الرياء لِرَبِّكَ [ الكوثر : 2 ] أي لرضاه لا للناس وفي مقابلة منع الماعون وَانْحَرْ [ الكوثر : 3 ] وأراد به سبحانه التصدق بلحوم الأضاحي . ثم قال : فاعتبر هذه المناسبة العجيبة انتهى فلا تغفل . [ سورة الكوثر ( 108 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ( 1 ) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ( 2 ) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ( 3 ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْناكَ وقرأ الحسن وطلحة وابن محيصن والزعفراني « أنطيناك » بالنون وهي على ما قال التبريزي لغة العرب العرباء من أولى قريش ، وذكر غيره أنها لغة بني تميم وأهل اليمن وليست من الإبدال الصناعي في شيء . ومن كلامه صلّى اللّه عليه وسلم : « اليد العليا المنطية واليد السفلى المنطاة » و كتب عليه الصلاة والسلام لوائل : « أنطوا الثبجة - أي الوسط - في الصدقة » . الْكَوْثَرَ فيه أقوال كثيرة . فذهب أكثر المفسرين إلى أنه نهر في الجنة لقوله صلّى اللّه عليه وسلم في آخر الحديث المتقدم آنفا المروي عن الإمام أحمد ومسلم ومن معهما : « هل تدرون ما الكوثر ؟ » قالوا : اللّه تعالى ورسوله أعلم . قال : « هو نهر أعطانيه ربي في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد الكواكب يختلج العبد منهم فأقول : يا رب إنه من أمتي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدث بعدك »