الآلوسي
3
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
الجزء الخامس عشر سورة الملك وتسمى تبارك والمانعة والمنجية والمجادلة ، فقد أخرج الطبراني عن ابن مسعود قال : كنا نسميها على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم المانعة . وأخرج الترمذي وغيره عن ابن عباس قال : ضرب بعض أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فأخبره فقال رسول اللّه عليه الصلاة والسلام : « هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر » و أخرج الطبراني والحاكم وابن مردويه وعبد بن حميد في مسنده واللفظ له عن ابن عباس أنه قال لرجل : ألا أتحفك بحديث تفرح به ؟ قال : بلى قال اقرأ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [ الملك : 1 ] وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك فإنها المنجية والمجادلة يوم القيامة عند ربها لقارئها وتطلب له أن تنجيه من عذاب النار وينجو بها صاحبها من عذاب القبر الخبر . وفي جمال القراء تسمى أيضا الواقية المناعة وهي مكية على الأصح . وقيل غير ثلاث آيات منها وأخرج ابن جويبر في تفسيره عن الضحاك عن ابن عباس ، وفي قول غريب إنها مدنية وآيها إحدى ثلاثون آية في المكي والمدني الأخير وثلاثون في الباقي وسيأتي إن شاء اللّه تعالى قريبا ما يرجحه . ووجه مناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ضرب مثلا للكفار بتينك المرأتين المحتوم لهما بالشقاوة وإن كانتا تحت نبيين عظيمين ومثلا للمؤمنين بآسية ومريم وهما محتوم لهما بالسعادة وإن أكثر قومهما كفار ، افتتح هذه بما يدل على إحاطته عزّ وجل وقهره وتصرفه في ملكه على ما سبق به قضاؤه . وقيل إن أول هذه متصل بقوله تعالى آخر الطلاق اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ [ الطلاق : 12 ] لما فيه من مزيد البسط لما يتعلق بذلك وفصل بسورة التحريم لأنها كالقطعة من سورة الطلاق والتتمة لها ، وقد جاء في فضلها أخبار كثيرة منها ما مر آنفا ومنها ما أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه وغيرهم عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن سورة من كتاب اللّه ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له » تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ومنها ما جاء في حديث رواه الطبراني وابن مردويه بسند جيد عن ابن مسعود وآخر رواه عنه جماعة وصححه الحاكم : « من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب » و أخرج ابن مردويه عن عائشة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يقرأ ألم تَنْزِيلُ السجدة و تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ كل ليلة لا يدعهما سفر ولا حضر ، ولهذا ونحوه قيل يندب قراءتها كل ليلة . والحمد للّه الذي وفقني لقراءتها كذلك منذ بلغت سن التمييز إلى اليوم ، وأسأل اللّه تعالى التوفيق لما بعد والقبول . ورأيت في بعض شروح البخاري ندب قراءتها عند رؤية الهلال رجاء الحفظ من المكاره في ذلك الشهر ببركة آيها الثلاثين واللّه تعالى الموفق .