الآلوسي
368
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
النهي الذي ذكرناه يتفاوت بحسب تفاوت أداء الصلاة فهو في صلاة أديت على أتم ما يكون من الخشوع والتدبر لما يتلى فيها مع الإتيان بفروضها وواجباتها وسننها وآدابها على أحسن أحوالها أتم ، وقد يضعف النهي فيها حتى كأنه لا تنهى كما في الصلاة التي تؤدى مع الغفلة التامة والإخلال بما يليق فيها وهي الصلاة المردودة التي تلف كما يلف الثوب الخلق ويرمى بها وجه صاحبها فتقول له : ضيعك اللّه تعالى كما ضيعتني ، وكأن مراد القائل : إن المراد بالصلاة التي تنهى عما ذكر هي الصلاة المقبولة هو هذا . وقد يجعل الانتهاء علامة القبول . روى بعض الإمامية عن أبي عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : من أحب أن يعلم قبلت صلاته أم لم تقبل فلينظر هل منعته عن الفحشاء والمنكر فبقدر ما منعته قبلت منه ، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان عن الحسن قال : « قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له » و في لفظ : « لم يزدد بها من اللّه تعالى إلا بعدا » وأخرجه بهذا اللفظ ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما مرفوعا . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه أنه قيل له : إن فلانا يطيل الصلاة فقال : إن الصلاة لا تنفع إلا من أطاعها ثم قرأ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وقد يتفق لمن يكثر الصلاة أن تقع بعض صلاته على الوجه اللائق فتقبل لطفا من اللّه تعالى وكرما ، ويظهر أثر ذلك بالانتهاء عن المعاصي ، ويشير إلى هذا ما أخرج أحمد وابن حيان والبيهقي عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال : « جاء رجل إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم فقال : إن فلانا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق قال سينهاه ما تقول » وأصرح منه فيما ذكرنا ما روي أن فتى من الأنصار كان يصلي مع النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم الصلاة ولا يدع شيئا من الفواحش إلا ركبه فوصف له ، فقال عليه الصلاة والسلام : إن صلاته ستنهاه » فلم يلبث إلا أن تاب ، إلا أن ابن حجر ذكر فيه أنه لم يجده في كتب الحديث . ثم إن حمل الصلاة في الآية على الصلاة المعروفة هو الظاهر المؤيد بالآثار والأخبار الصحيحة ، وأخرج ابن جرير عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أن المراد بها هنا القرآن ، وقال ابن بحر : إن المراد بها الدعاء أي أقم الدعاء إلى أمر اللّه تعالى إن الدعاء إلى أمره سبحانه ينهى عن الفحشاء والمنكر ، وكل منهما عدول عن الظاهر من غير داع . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس أنه كان يقرأ « إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر » وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ . قال ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وأبو قرة ومجاهد وعطية : المعنى لذكر اللّه تعالى إياكم أكبر من ذكركم إياه سبحانه ، وفي لفظ لذكر اللّه تعالى العبد أكبر من ذكر العبد للّه تعالى ، وعن ابن عباس أنه قال ذلك ثم قرأ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [ البقرة : 152 ] . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي مالك أنه قال ذكر اللّه تعالى العبد في الصلاة أكبر من الصلاة ، فذكر مصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف وكذا المفضل عليه وهو خاص على ما سمعت ، وجوز أن يكون عاما أي أكبر من كل شيء ، وقيل : المعنى ولذكر العبد للّه تعالى في الصلاة أكبر من سائر أركان الصلاة ، وقيل : أي ولذكر العبد للّه تعالى في الصلاة أكبر من ذكره إياه سبحانه خارج الصلاة ، وقيل : أي ولذكر العبد للّه تعالى أكبر من سائر أعماله ، وروي عن جماعة من السلف ما يقتضيه . أخرج أحمد في الزهد وابن المنذر عن معاذ بن جبل قال : « ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب اللّه تعالى من ذكر اللّه تعالى ، قالوا : ولا الجهاد في سبيل اللّه تعالى قال : ولا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع لأن اللّه تعالى يقول في كتابه وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ .