الآلوسي
204
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
و أخرج ابن عساكر عن سلمة بن عبد اللّه بن ربعي أنه عليه السلام أمهرها بعلبك ، و ذكر غير واحد أنها حين كشفت عن ساقيها أبصر عليهما شعرا كثيرا فكره أن يتزوجها كذلك فدعا الإنس فقال : ما يذهب بهذا ؟ فقالوا : يا رسول اللّه المواسي فقال : المواسي تقطع ساقي المرأة . وفي رواية أنه قيل لها ذلك فقالت لم يمسسني الحديد قط فكره سليمان المواسي وقال : إنها تقطع ساقيها ثم دعا الجن فقالوا مثل ذلك ثم دعا الشياطين فوضعوا له النورة ، قال ابن عباس وكان ذلك اليوم أول يوم رؤيت فيه النورة ، وعن عكرمة أن أول من وضع النورة شياطين الإنس وضعوها لبلقيس وهو خلاف المشهور ، ويروى أن الحمام وضع يومئذ . و في تاريخ البخاري عن أبي موسى الأشعري قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم أول من صنعت له الحمامات سليمان » و أخرج الطبراني . وابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإيمان عنه أيضا قال : قال رسول اللّه عليه الصلاة والسلام : « أول من دخل الحمام سليمان فلما وجد حره قال أوه من عذاب اللّه تعالى » و روي عن وهب أنه قال : زعموا أن بلقيس لما أسلمت قال لها سليمان : اختاري رجلا من قومك أزوجكه فقالت : أمثلي يا نبي اللّه تنكح الرجال وقد كان في قومي من الملك والسلطان ما كان ؟ قال : نعم إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك وما ينبغي لك أن تحرمي ما أحل اللّه تعالى لك فقالت : زوجني إن كان لا بد من ذلك ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه ثم ردها إلى اليمن وسلط زوجها ذا تبع على اليمن ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال : اعمل لذي تبع ما استعملك فيه فلم يزل بها ملكا يعمل له فيها حتى مات سليمان فلما أن حال الحول وتبين الجن موته عليه السلام أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته يا معشر الجن إن الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم فرفعوا أيديهم وتفرقوا وانقضى ملك ذي تبع وملك بلقيس مع ملك سليمان عليه السلام . وقال عون بن عبد اللّه : سأل رجل عبد اللّه بن عتبة هل تزوج سليمان بلقيس فقال انتهى أمرها إلى قولها : أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قيل : يعني لا علم لنا وراء ذلك . والمشهور أنه عليه السلام تزوجها وإليه ذهب جماعة من أهل الأخبار وأخرج البيهقي في الزهد عن الأوزاعي قال : كسر برج من أبراج تدمر فأصابوا فيه امرأة حسناء دعجاء مدمجة كأن أعطافها طي الطوامير عليها عمامة طولها ثمانون ذراعا مكتوب على طرف العمامة بالذهب « بسم اللّه الرحمن الرحيم أنا بلقيس ملكة سبأ زوجة سليمان بن داود عليهما السلام ملكت من الدنيا كافرة ومؤمنة ما لم يملكه أحد قبلي ولا يملكه أحد بعدي صار مصيري إلى الموت فاقصروا يا طالبي الدنيا » واللّه تعالى أعلم بصحة الخبر ، وكم في هذه القصة من أخبار اللّه تعالى أعلم بالصحيح منها ، والقصة في نفسها عجيبة وقد اشتملت على أشياء خارقة للعادة بل يكاد العقل يحيلها في أول وهلة ، ومما يستغرب وللّه تعالى فيه سر خفي خفاء أمر بلقيس على سليمان عدة سنين كما قاله غير واحد مع أن المسافة بينه وبينها لم تكن في غاية البعد وقد سخر اللّه تعالى له من الجن والشياطين والطير والريح ما سخر وهذا أغرب من خفاء أمر يوسف على يعقوب عليهما السلام بمراتب ، وسبحان من لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات وفي الأرض ، وهذا وللصوفية في تطبيق ما في هذه القصة على ما في الأنفس كلام طويل ، ولعل الأمر سهل على من له أدنى ذوق بعد الوقوف على بعض ما مر من تطبيقاتهم ما في بعض القصص على ذلك واللّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل . وَلَقَدْ أَرْسَلْنا عطف على قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً مسوق لما سيق هو له ، واللام واقعة في جواب قسم محذوف أي وباللّه لقد أرسلنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً وإنما أقسم على ذلك اعتناء بشأن الحكم ، و صالِحاً بدل من أَخاهُمْ أو عطف بياني ، وأن في قوله تعالى : أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مفسرة لما في الإرسال من معنى القول دون حروفه .