الآلوسي
134
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
نسختها آية السيف وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ فهو سبحانه يقهر من يعصيك منهم ومن غيرهم بعزته وينصرك برحمته ، وتقديم وصف العزة قيل لأنه أوفق بمقام التسلي عن المشاق اللاحقة من القوم إليه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وجوز أن يكون ذلك لأن العزة كالعلة المصححة للتوكل والرحمة كالعلة الداعية إليه ، وفسره غير واحد بتفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره ويقدر على أن ينفعه ويضره . وقالوا : المتوكل من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية للّه تعالى ، وذكر بعضهم أن هذا من أحط مراتب التوكل وأدناها ، ونقل عن بعض العارفين أنه فيما بين الناس على ثلاث درجات . الأولى التوكل مع الطلب ومعاطاة السبب على نية شغل النفس ونفع الخلق وترك الدعوى ، والثانية التوكل مع إسقاط الطلب وغض العين عن السبب اجتهادا في تصحيح التوكل وقمع تشرف النفس تفرغا إلى حفظ الواجبات والثالثة التوكل مع معرفة التوكل النازعة إلى الخلاص من علة التوكل . وذلك أن يعلم أن اللّه تعالى لم يترك أمرا مهملا بل فرغ من الأشياء كلها وقدرها وشأنه سبحانه سوق المقادير إلى المواقيت ، فالمتوكل من أراح نفسه من كد النظر ومطالعة السبب سكونا إلى ما سبق من القسمة مع استواء الحالين وهو أن يعلم أن الطلب لا ينفع والتوكل لا يمنع ومتى طلع بتوكله عوضا كان توكله مدخولا وقصده معلولا وإذا خلص من رق الأسباب ولم يلاحظ في توكله سوى خالص حق اللّه تعالى كفاه اللّه تعالى كل مهم . وبين العلامة الطيبي إن في قوله تعالى : « وتوكل » إلخ إشارة إلى المراتب الثلاث بما فيه خفاء . وفي مصاحف أهل المدينة والشام « فتوكل » بالفاء وبه قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر وشيبة وخرج على الإبدال من جواب الشرط . وجعل في الكشاف الفاء للعطف وما بعده معطوفا على فَقُلْ أو فَلا تَدْعُ وما ذكر أولا أظهر الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ أي إلى الصلاة وَتَقَلُّبَكَ أي ويرى سبحانه تغيرك من حال كالجلوس والسجود إلى آخر كالقيام فِي السَّاجِدِينَ أي فيما بين المصلين إذا أممتهم ، وعبر عنهم بالساجدين لأن السجود حالة مزيد قرب العبد من ربه عزّ وجل وهو أفضل الأركان على ما نص عليه جمع من الأئمة ، وتفسير هذه الجملة بما ذكر مروي عن ابن عباس وجماعة من المفسرين إلا أن منهم من قال : المراد حين تقوم إلى الصلاة بالناس جماعة ، وقيل : المعنى يراك حين تقوم للتهجد ويرى تقلبك أي ذهابك ومجيئك فيما بين المتهجدين لتتصفح أحوالهم وتطلع عليهم من حيث لا يشعرون وتستبطن سرائرهم وكيف يعملون لآخرتهم كما روى أنه لما نسخ فرض قيام الليل طاف صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون حرصا على كثرة طاعاتهم فوجدها كبيوت النحل لما سمع لها من دندنتهم بذكر اللّه تعالى والتلاوة . وعن مجاهد أن المراد بقوله سبحانه : وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ تقلب بصره عليه الصلاة والسلام فيمن يصلي خلفه فإنه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم كان يرى من خلفه ، ففي صحيح البخاري عن أنس قال : « أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم بوجهه فقال : أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري » . و في رواية أبي داود عن أبي هريرة أن النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم كان يقول : « استووا استووا استووا والذي نفسي بيده إني لأراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي » ولا يخفى بعد حمل ما في الآية على ما ذكر . وقيل : المراد بالساجدين المؤمنون ، والمعنى يراك حين تقوم لأداء الرسالة ويرى تقلبك وترددك فيما بين المؤمنين أو معهم فيما فيه إعلان أمر اللّه تعالى وإعلاء كلمته سبحانه ، وتفسير الساجدين بالمؤمنين مروي عن ابن عباس وقتادة إلا أن كون المعنى ما ذكر لا يخلو عن خفاء .