الآلوسي
478
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
استعارة مصرحة نظر إلى الأول ومكنية إلى الثانية وتكون الإذاقة تخييلا ، وفيه بحث مشهور بين الطلبة ، وجوز أن يكون لباس الْجُوعِ كلجين الماء أي أذاقها اللّه الجوع الذي هو في الإحاطة كاللباس ، والأول أيضا أولى ، ومثل ذلك قول كثير : غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا * غلقت لضحكته رقاب المال فإنه استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبة صون الرداء . لما يلقي عليه وأضاف إليه الغمر وهو في وصف المعروف استعارة جرت مجرى الحقيقة وحقيقته من الغمرة وهي معظم الماء وكثرته ، وتقديم « الجوع » الناشئ من فقدان الرزق على الْخَوْفِ المترتب على زوال الأمن المقدم فيما تقدم على إتيان الرزق لكونه أنسب بالاذاقة أو لمراعاة المقارنة بين ذلك وبين إتيان الرزق . وفي مصحف أبي « لباس الخوف والجوع » بتقديم الخوف ، وكذا قرأ عبد اللّه إلا أنه لم يذكر اللباس وعد ذلك أبو حيان تفسيرا لا قراءة ، وروى العباس عن أبي عمرو أنه قرأ « والخوف » بالنصب عطفا على لِباسَ وجعله الزمخشري على حذف مضاف وإقامة المضاف مقامه أي ولبسا الخوف . وقال صاحب اللوامح : يجوز أن يكون نصبه بإضمار فعل ، وفي مقابلة ما تقدم بالجوع والخوف فقط ما يشير إلى عد الأمن والاطمئنان كالشئ الواحد وإلا فكان الظاهر فأذاقها اللّه لباس الجوع والخوف والانزعاج بِما كانُوا يَصْنَعُونَ فيما قبل أو على وجه الاستمرار وهو الكفران المذكور ، وما موصولة والعائد محذوف أي يصنعونه ، وجوز أن تكون مصدرية والباب على الوجهين بسببية والضميران قيل : عائدان على - أهل - المقدر المضاف إلى القرية بعد ما عادت الضمائر السابقة إلى لفظها ، وقيل : عائدات إلى القرية مرادا بها أهلها . وفي إرشاد العقل السليم أسند ما ذكر إلى أهل القرية تحقيقا للأمر بعد إسناد الكفران إليها وإيقاع الإذاقة عليها إرادة للمبالغة ، وفي صيغة الصنعة إيذان بأن كفران الصنيعة صنعة راسخة لهم وسنة مسلوكة وَلَقَدْ جاءَهُمْ من تتمة التمثيل ، والضمير فيه عائد على من عاد إليه الضميران قبله ، وجيء بذلك لبيان أن ما صنعوه من كفران اللّه تعالى لم يكن مزاحمة منهم لقضية العقل فقط بل كان ذلك معارضة لحجة اللّه تعالى على الخلق أيضا أي ولقد جاء أهل تلك القرية رَسُولٌ مِنْهُمْ أي من جنسهم يعرفونه بأصله ونسبه فأخبرهم بوجوب الشكر على النعمة وأنذرهم بسوء عاقبة ما هم عليه فَكَذَّبُوهُ في رسالته أو فيما أخبرهم به مما ذكر ، فالفاء فصيحة وعدم ذكر ما أفصحت عنه للإيذان بمفاجأتهم بالتكذيب من غير تلعثم فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ المستأصل لشأفتهم غب ما ذاقوا منه ما سمعت وَهُمْ ظالِمُونَ أي حال التباسهم بالظلم وهو الكفران والتكذيب غير مقلعين عنه بما ذاقوا من المقدمات الزاجرة عنه ، وفيه دلالة على تماديهم في الكفر والعناد وتجاوزهم في ذلك كل حد معتاد . وترتيب أخذ العذاب على تكذيب الرسول جرى على سنة اللّه تعالى حسبما يرشد إليه قوله سبحانه : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ الإسراء : 15 ] وبه يتم التمثيل فإن حال أهل مكة سواء ضرب المثل لهم خاصة أولهم ولمن سار سيرتهم كافة أشبه بحال أهل تلك القرية من الغراب بالغراب فقد كانوا في حرم آمن يتخطف الناس من حولهم ولا يمر ببالهم طيف من الخوف ولا يزعج قطا قلوبهم مزعج وكانت تجبى إليه ثمرات كل شيء ولقد جاءهم رسول منهم وأي رسول تحار في إدراك سمو مرتبة العقول صلى اللّه عليه وسلم ما اختلف الدبور والقبول فانذرهم وحذرهم فكفروا بأنعم اللّه تعالى وكذبوه عليه الصلاة والسلام فأذاقهم اللّه تعالى لباس الجوع والخوف حيث أصابهم بدعائه صلى اللّه عليه وسلم « اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف » ما أصابهم من جدب شديد وأزمة ما عليها مزيد