الآلوسي

420

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

الشرع بتحريمه . وجوز الزمخشري أن يجعل السكر رزقا حسنا كأنه قيل : تتخذون منه ما هو مسكر ورزق حسن أي على أن العطف من عطف الصفات . وأنت تعلم أن العطف ظاهره المغايرة . هذا ولما كان اللبن نعمة عظيمة لا دخل لفعل الخلق فيه إضافة سبحانه لنفسه بقوله تعالى : نُسْقِيكُمْ بخلاف اتخاذ السكر وقد صرح بذلك في البحر فتأمل إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً باهرة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يستعملون عقولهم بالنظر والتأمل بالآيات فالفعل منزل منزلة اللازم ، قال أبو حيان : ولما كان مفتتح الكلام وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً ناسب الختم بقوله سبحانه : - يعقلون - لأنه لا يعتبر إلا ذوو العقول . وأنا أقول : إذا كان في الآية إشارة إلى الحط من أمر السكر ففي الختم المذكور تقوية لذلك وله في النفوس موقع وأي موقع حيث إن العقار كما قيل للعقول عقال : إذا دارها بالأكف السقاة * لخطابها أمهروها العقولا فافهم ذاك واللّه تعالى يتولى هداك وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ألهمها وألقى في روعها وعلمها بوجه لا يعلمه إلا اللطيف الخبير ؛ وفسر بعضهم الإيحاء إليها بتسخيرها لما أريد منها ، ومنعوا أن يكون المراد حقيقة الإيحاء لأنه إنما يكون للعقلاء وليس النحل منها . نعم يصدر منها أفعال ويوجد فيها أحوال يتخيل بها أنها ذوات عقول وصاحبة فضل بمقصر عنه الفحول ، فتراها يكون بينها واحد كالرئيس هو أعظمها جثة يكون نافذ الحكم على سائرها والكل يخدمونه ويحملون عنه وسمي اليعسوب والأمير ، وذكروا أنها إذا نفرت عن وكرها ذهبت بجمعيتها إلى موضع آخر فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا لها الطبول وآلات الموسيقى ورودها بواسطة تلك الألحان إلى وكرها ، وهي تبني البيوت المسدسة من أضلاع متساوية والعقلاء لا يمكنهم ذلك إلا بآلات مثل المسطرة والفرجار وتختارها على غيرها من البيوت المشكلة بأشكال أخر كالمثلثات والمربعات والمخمسات وغيرها ، وفي ذلك سر لطيف فإنهم قالوا : ثبت في الهندسة أنها لو كانت مشكلة بأشكال أخر يبقى فيما بينها بالضرورة فرج خالية ضائعة ؛ ولها أحوال كثيرة عجيبة غير ذلك قد شاهدها كثير من الناس وسبحان من أعطى كل شيء خلقه ثم هدى . والصوفية على ما ذكره الشعراني في غير موضع لا يمنعون إرادة الحقيقة ، وقد أثبتوا في سائر الحيوانات رسلا وأنبياء والشرع يأبى ذلك . وذهب بعض حكماء الإشراق إلى ثبوت النفس الناطقة لجميع الحيوانات وأكاد أسلم لهم ذلك ولم نسمع عن أحد غير الصوفية القول بما سمعت عنهم ، والنحل جنس واحده نحلة ويؤنث في لغة الحجاز ولذلك قال سبحانه : أَنِ اتَّخِذِي وقرأ ابن وثاب « النحل » بفتحتين وهو يحتمل أن يكون لغة وأن يكون اتباعا لحركة النون ، و أَنِ إما مصدرية بتقدير باء الملابسة أي بأن اتخذي أو تفسيرية وما بعدها مفسر للإيحاء لأن فيه باعتبار معناه المشهور معنى القول دون حروفه ، وذلك كاف في جعلها تفسيرية : وقد غفل عن ذلك أبو حيان أو لم يعتبره فقال : إن ذلك نظرا لأن الوحي هنا بمعنى الإلهام إجماعا وليس في الإلهام معنى القول مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً أوكارا ، وأصل البيت مأوى الإنسان واستعمل هنا في الوكر الذي تبنيه النحل لتعسل فيه تشبيها له بما يبنيه الإنسان لما فيه من حسن الصنعة القسمة كما سمعت : وقرئ « بيوتا » بكسر الباء لمناسبة الياء وإلا فجمع فعل على فعول بالضم . وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ أي يعرشه الناس أي يرفعه من الكروم كما روي عن ابن زيد وغيره أو السقوف كما نقل عن الطبري أو أعم منهما كما قال البعض ، و مِنَ في المواضع الثلاثة للتبعيض بحسب الأفراد وبحسب الأجزاء فإن النحل لا يبني في كل شجر وكل جبل وكل ما يعرش ولا في كل مكان من ذلك ، وبعضهم قال : إن مِنَ للتبعيض بحسب الأفراد فقط ، والمعنى الآخر معلوم من خارج لا من مدلول مِنَ إذ لا يجوز استعمالها فيهما ولمولانا ابن كمال تأليف مفرد في المسألة فليراجع ، وأيّا ما كان ففيه مع ما يأتي قريبا إن شاء اللّه تعالى من