الآلوسي

327

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

وأجيب بأنه بناء على زعمهم كقوله تعالى : وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً [ إبراهيم : 21 ] فإنه يظهر لهم في ذلك اليوم أنه سبحانه لا يخفى عليه شيء فلا يحتاج إلى الاستفهام . وقيل : المراد لا سؤال يومئذ منه تعالى ولا من غيره بخلاف الدنيا فإنه ربما سأل غيره فيها . ورد بأن قوله : لأنه سبحانه عالم بجميع أعمالهم يأباه . واختار غير واحد في الجمع أن النفي بالنسبة إلى بعض المواقف والإثبات بالنسبة إلى بعض آخر ، وسيأتي تمام الكلام في ذلك ، واستظهر بعضهم عود الضمير في لَنَسْئَلَنَّهُمْ إلى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ للقرب ، وجوز أن يعود على الجميع من مؤمن وكافر لتقدم ما يشعر بذلك من قوله سبحانه : وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ وما للعموم كما هو الظاهر ، وأخرج ابن جرير : وغيره وعن أبي العالية أنه قال في الآية : يسأل العباد كلهم يوم القيامة عن خلتين عما كانوا يعبدون وعما أجابوا به المرسلين . و أخرج الترمذي وجماعة عن أنس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يسألون عن قول لا إله إلا اللّه » وأخرجه البخاري في تاريخه ، والترمذي من وجه آخر عن أنس موقوفا ، وروي أيضا عن ابن عمر ، ومجاهد ، والمعنى على ما في البحر يسألون عن الوفاء بلا إله إلا اللّه والتصديق لمقالها بالأعمال ، والفاء قيل لترتيب الوعيد على أعمالهم التي ذكر بعضها ، وقيل : لتعليل النهي والأمر فيما سبق ، وزعم أنها الفاء الداخلة على خبر الموصول كما في قولك : الذي يأتيني فله درهم مبني على أن الذين مبتدأ وقد علمت حال ذلك ، وفي التعرض لوصف الربوبية مضافا إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى من إظهار اللطف به صلى اللّه عليه وسلم فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ قال الكلبي : أي أظهره واجهر به يقال : صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا ، ومن ذلك قيل للفجر صديع « 1 » لظهوره . وجوز أن يكون أمرا من صدع الزجاجة وهو تفريق أجزائها أي أفرق بين الحق والباطل ، وأصله على ما قيل الإبانة والتمييز ، والباء على الأول صلة وعلى الثاني سببية ، و « ما » جوز أن تكون موصولة والعائد محذوف أي بالذي تؤمر به فحذف الجار فتعدى الفعل إلى الضمير فصار تؤمره ثم حذف ، ولعل القائل بذلك لم يعتبر حذفه مجرورا لفقد شرط حذفه بناء على أنه يشترط في حذف العائد المجرور أن يكون مجرورا بمثلما جر به الموصول لفظا ومعنى ومتعلقا ، وقيل : التقدير فاصدع بما تؤمر بالصدع به فحذفت الباء الثانية ثم الثالثة ثم لام التعريف ثم المضاف ثم الهاء ، وهو تكلف لا داعي له ويكاد يورث الصداع ، والمراد بما يؤمر به الشرائع مطلقا ، وقول مجاهد : كما أخرجه عنه ابن أبي حاتم إن المعنى اجهر بالقرآن في الصلاة يقتضي بظاهره التخصيص ولا داعي له أيضا كما لا يخفى ، وأظهر منه في ذلك ما روي عن ابن زيد أن المراد بِما تُؤْمَرُ القرآن الذي أوحي إليه صلى اللّه عليه وسلم أن يبلغهم إياه ، وأن تكون مصدرية أي فاصدع بمأموريتك وهو الذي عناه الزمخشري بقوله : أي بأمرك مصدر من المبني للمفعول ، وتعقبه أبو حيان بأنه مبني على مذهب من يجوز أن يراد بالمصدر أن والفعل المبني للمفعول والصحيح أن ذلك لا يجوز . ورد بأن الاختلاف في المصدر الصريح هل يجوز انحلاله إلى حرف مصدري وفعل مجهول أم لا أما أن الفعل المجهول هل يوصل به حرف مصدري فليس محل النزاع ، فإن كان اعتراضه على الزمخشري في تفسيره بالأمر وأنه كان ينبغي أن يقول بالمأمورية فشئ آخر سهل ، ثم لا يخفى ما في الآية من الجزالة ، وقال أبو عبيدة : عن رؤية ما في القرآن منها ، ويحكى أن بعض العرب سمع قارئا يقرؤها فسجد فقيل له في ذلك فقال : سجدت لبلاغة هذا الكلام ، ولم يزل صلى اللّه عليه وسلم مستخفيا كما روي عن عبد اللّه بن مسعود قبل نزول ذلك فلما نزلت خرج هو وأصحابه عليه الصلاة والسلام وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ

--> ( 1 ) كما في قوله . كأن بياض غرته صديع . اه منه .