الآلوسي

190

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

فالمقام اسم مكان وإضافته إلى ضميره تعالى لكونه بين يديه سبحانه ، وقال الفراء : هو مصدر ميمي أضيف إلى الفاعل أي خاف قيامي عليه بالحفظ لأعماله ومراقبتي إياه ، وقيل : المراد إقامتي على العدل والصواب وعدم الميل عن ذلك . وقيل : لفظ مقام مقحم لأن الخوف من اللّه تعالى أي لمن خافني وَخافَ وَعِيدِ أي وعيدي بالعذاب فياء المتكلم محذوفة للاكتفاء بالكسرة عنها في غير الوقف . والوعيد على ظاهره ومتعلقه محذوف ، وجوز أن يكون مصدرا من الوعد على وزن فعيل وهو بمعنى اسم المفعول أي عذابي الموعود للكفار : وفيه استعارة الوعد للإيعاد ، والمراد بمن خاف على ما أشير إليه في الكشاف المتقون ، ووقوع ذلك إلى آخره بعد وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ موقع وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ في قصة موسى عليه السلام حيث قال لقومه : اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [ الأعراف : 128 ] وَاسْتَفْتَحُوا أي استنصروا اللّه تعالى على أعدائهم كقوله تعالى : إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ [ الأنفال : 19 ] ويجوز أن يكون من الفتاحة أي الحكومة أي استحكموا اللّه تعالى وطلبوا منه القضاء بينهم كقوله تعالى : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ [ الأعراف : 89 ] والضمير المرسل عليهم السلام كما روي عن قتادة وغيره ، والعطف على فَأَوْحى ويؤيد ذلك قراءة ابن عباس . ومجاهد وابن محيصن « واستفتحوا » بكسر التاء أمرا للرسل عليهم السلام معطوفا على « ليهلكن » فهو داخل تحت الموحى ، والواو من الحكاية دون المحكي ، وقيل : ما قبله لإنشاء الوعد فلا يلزم عطف الإنشاء على الخبر مع أن مذهب بعضهم تجويزه ، وأخر على القراءتين عن قوله تعالى : لَنُهْلِكَنَّ أو - أوحى إليهم - على ما في الكشف دلالة على أنهم لم يزالوا داعين إلى أن تحقق الموعود من إهلاك الظالمين ، وذلك لأن لَنُهْلِكَنَّ وعد وإنما حقيقة الإجابة حين الإهلاك ، وليس من تفويض الترتيب إلى ذهن السامع في شيء ولا ذلك من مقامه كما توهم . وقال ابن زيد : الضمير للكفار والعطف حينئذ على قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي قالوا ذلك واستفتحوا على نحو ما قال قريش : عَجِّلْ لَنا قِطَّنا [ ص : 16 ] وكأنهم لما قوي تكذيبهم وأذاهم ولم يعاجلوا بالعقوبة ظنوا أن ما قيل لهم باطل فاستفتحوا على سبيل التهكم والاستهزاء كقول قوم نوح : فَأْتِنا بِما تَعِدُنا * [ هود : 32 ] وقوم شعيب فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً [ الشعراء : 187 ] إلى غير ذلك ، وقيل : الضمير للرسل عليهم السلام ومكذبيهم لأنهم كانوا كلهم سألوا اللّه تعالى أن ينصر المحق ويهلك المبطل ، وجعل بعضهم العطف على فَأَوْحى على هذا أيضا بل ظاهر كلام بعض أن العطف عليه على القراءة المشهورة مطلقا ، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى احتمال آخر في الضمير ذكره الزمخشري . وَخابَ أي خسر وهلك كُلُّ جَبَّارٍ متكبر عن عبادة اللّه تعالى وطاعته ، وقال الراغب : الجبار في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها ، ولا يقال إلا على طريق الذم عَنِيدٍ معاند للحق مباه بما عنده ، وجاء فعيل بمعنى مفاعل كثيرا كخليط بمعنى مخالط ورضيع بمعنى مراضع ، وذكر أبو عبيدة إن اشتقاق ذلك من العند وهو الناحية ، ولذا قال مجاهد : العنيد مجانب الحق ، قيل : والوصف الأول إشارة إلى ذمه باعتبار الخلق النفساني والثاني إلى ذمة باعتبار الأثر الصادر عن ذلك الخلق وهو كونه مجانبا منحرفا عن الحق ، وفي الكلام إيجاز الحذف بحذف الفاء الفصيحة والمعطوف عليه أي استفتحوا ففتح لهم وظفروا بما سألوا وأفلحوا وخاب كل جبار عنيد وهم قومهم المعاندون ؛ فالخيبة بمعنى مطلق الحرمات دون الحرمان عن المطلوب أو ذلك باعتبار أنهم كانوا يزعمون أنهم على الحق ، هذا إذا كان ضمير اسْتَفْتَحُوا للرسل عليهم السلام ، وأما إذا كان للكفار فالعطف كما في البحر على اسْتَفْتَحُوا أي استفتح الكفار على الرسل عليهم السلام وخابوا ولم يفلحوا ، وإنما وضع كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ موضع ضميرهم ذما لهم وتسجيلا عليهم بالتجبر والعناد لا أن بعضهم ليسوا كذلك ولم تصبهم الخيبة ، ويقدر إذا كان الضمير للرسل عليهم السلام وللكفرة استفتحوا جميعا فنصر الرسل وخاب كل عات متمرد ، والخيبة