الآلوسي
142
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
حيث لم يطمئنوا به ولم يعدوه آية وهو أظهر الآيات وأبهرها ، وقيل : في الكلام مضاف مقدر أي لتطمئن قلوبهم بذكر رحمته تعالى ومغفرته بعد القلق والاضطراب من خشيته تعالى كقوله تعالى : ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [ الزمر : 23 ] وهذا مناسب على ما في الكشف للإنابة إليه تعالى ، والمصدر عليه مضاف إلى الفاعل ؛ وقيل : المراد بذكر اللّه دلائله سبحانه الدالة على وحدانيته عزّ وجلّ والاطمئنان عن قلق الشك والتردد ، وهذا مناسب لذكر الكفر ووقوعه في مقابلته ، وقيل : المراد بذكره تعالى أنسا به وتبتلا إليه سبحانه فالمراد بالهداية دوامها واستمرارها . وقيل : وهذا مناسب أيضا حديث الكفر لأن الكفرة إذا ذكر اللّه تعالى وحده اشمأزت قلوبهم ، والمصدر على القولين مضاف إلى المفعول . والوجه الأول أشد ملاءمة للنظم لا سيما لقوله تعالى : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ والمصدر فيه بمعنى المفعول . ومن الغريب ما نقل في تفسير الخازن أن هذا في الحلف باللّه وذلك أن المؤمن إذا حلف له باللّه تعالى سكن قلبه ، وروي نحو ذلك أبو الشيخ عن السدي فإن الحمل عليه هنا مما لا يناسب المقام ، وأما ما روي عن أنس من أنه صلى اللّه عليه وسلم قال لأصحابه حين نزلت هذه الآية : « هل تدرون ما معنى ذلك ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم قال : من أحب اللّه تعالى ورسوله وأحب أصحابي : ومثله ما روي عن علي كرم اللّه تعالى وجهه من أنه عليه الصلاة والسلام قال حين نزلت : « ذاك من أحب اللّه تعالى ورسوله وأحب أهل بيتي صادقا غير كاذب وأحب المؤمنين شاهدا غائبا » فليس المراد منه تفسير المراد بذكر اللّه بل بيان أن الموصوفين بما ذكر من أحبه اللّه تعالى ورسوله صلى اللّه عليه وسلم إلخ ، وهو كذلك إذ لا يكاد يتحقق الانفكاك بين هاتيك الصفات فليتأمل ، ولا تنافي بين هذه الآية على سائر الأوجه وقوله تعالى : إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ * [ الأنفال : 2 ، الحج : 35 ] لأن المراد هناك وجلت من هيبته تعالى واستعظامه جلت عظمته . وذكر الأمام في بيان اطمئنان القلب بذكره تعالى وجوها فقال : إن الموجودات على ثلاثة أقسام : مؤثر لا يتأثر . ومتأثر لا يؤثر وموجود يؤثر ويتأثر فالأول هو اللّه تعالى . والثاني هو الجسم فإنه ليس له خاصية إلى القبول للآثار المتنافية والصفات المختلفة . والثالث الموجودات الروحانية فإنها توجهت إلى الحضرة الإلهية صارت قابلة للآثار الفائضة عليها منها وإذا توجهت إلى أعلام الأجسام اشتاقت إلى التصرف فيها لأن عالم الأرواح مدبر لعالم الأجسام فإذا عرف هذا فالقلب كلما توجه إلى مطالعة عالم الأجسام حصل فيه الاضطراب والقلق والميل الشديد إلى الاستيلاء عليه والتصرف فيه وإذا توجه إلى مطالعة الحضرة الإلهية وحصلت فيه الأنوار الصمدية فهناك يكون ساكنا مطمئنا ، وأيضا أن القلب كلما وصل إلى شيء فإنه يطلب الانتقال منه إلى أمر آخر أشرف منه لأنه لا سعادة في عالم الجسم إلا وفوقها مرتبة أخرى أما إذا انتهى إلى الاستسعاد بالمعارف الإلهية والأنوار القدسية ثبت واستقر فلم يقدر على الانتقال من البتة لأنه ليس هناك درجة أخرى في السعادة أعلى منه وأكمل ، وأيضا أن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على الجسم النحاسي انقلب ذهبا باقيا على ممر الدهور صابرا على الذوبان الحاصل بالنار فاكسير نور اللّه تعالى إذا وقع في القلب أولى أن يقلبه جوهرا باقيا صافيا نورانيا لا يقبل التغير والتبدل ، ولهذه الأوجه قال سبحانه : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ اه ، والأولى أن يقال : إن سبب الطمأنينة نور يفيضه اللّه تعالى عن قلب المؤمنين بسبب ذكره فيذهب ما فيها من القلق والوحشة ونحو ذلك ، وللمناقشة فيما ذكره مجال وسيؤتي إن شاء اللّه تعالى في باب الإشارة ما يشبه ذلك الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بدل من الْقُلُوبُ أي قلوب الذين آمنوا ، والأظهر أنه بدل الكل لأن القلوب في الأول قلوب المؤمنين المطمئنين وكذلك لو عمم القلب على معنى أن قلوب هؤلاء الأجلاء كل القلوب لأن الكفار أفئدتهم هواء ، وأما الحمل على بدل البعض ليعمم القلب من غير الملاحظة المذكورة واستنباط هذا المعنى من البدل فبعيد ، وأما احتماله