الآلوسي
42
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك اللّه تعالى بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك . فقلت حين قرأتها : وهذه أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته فيها حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا برسول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يأتيني فقال : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك قلت : أطلقها أم ما ذا أفعل ؟ قال : بل اعتزلها ولا تقربها وأرسل إلي صاحبي مثل ذلك فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك لتكوني عندهم حتى يقضي اللّه تعالى في هذا الأمر ، فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقالت : يا رسول اللّه إن هلالا شيخ ضائع ، وليس له خادم فهل تكره أن أخدمه ؟ فقال : لا ولكن لا يقربنك قالت : وإنه واللّه ما به حركة إلى شيء واللّه ما زال يبكي من لدن أن كان من أمره ما كان إلى يومه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه فقلت : واللّه لا أستأذن فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وما أدري ما ذا يقول إذا استأذنته وأنا رجل شاب قال : فلبثت عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر اللّه تعالى عنا قد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت سمعت صارخا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج فآذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بتوبة اللّه تعالى علينا حين صلى الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إليّ رجل فرسا وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي وكسوتهما إياه ببشارته واللّه ما أملك غيرهما يومئذ فاستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أؤم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فتلقاني الناس فوجا بعد فوج يهنئونني بالتوبة يقولون : ليهنك توبة اللّه تعالى عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم جالس في المسجد حوله الناس فقام إلى طلحة بن عبيد اللّه يهرول حتى صافحني وهنأني واللّه ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره قال : فكان كعب لا ينساها لطلحة قال كعب : فلما سلمت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور : ابشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قلت : أمن عندك يا رسول اللّه أم من عند اللّه ؟ قال : لا بل من عند اللّه تعالى ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر ، فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول اللّه إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى اللّه تعالى ورسوله صلّى اللّه عليه وسلم قال : أمسك بعض مالك فهو خير لك قلت : إني أمسك سهمي الذي بخيبر وقلت : يا رسول اللّه إنما نجاني اللّه تعالى بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت ، فو اللّه ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه اللّه تعالى في الصدق بالحديث منذ ذكرت ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أحسن مما أبلاني اللّه تعالى ، واللّه ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك إلى يومي هذا وإني لأرجو أن يحفظني اللّه تعالى فيما بقي قال : وأنزل اللّه تعالى لَقَدْ تابَ الآية فو اللّه ما أنعم اللّه تعالى عليّ من نعمة قط بعد أن هداني اللّه سبحانه للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول اللّه عليه الصلاة والسلام يومئذ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه فإن اللّه تعالى قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد فقال : سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إلى قوله سبحانه : الْفاسِقِينَ [ التوبة : 95 ، 96 ] » . و جاء في رواية عن كعب رضي اللّه تعالى عنه قال : « نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبي فلبثت كذلك حتى طال علي الأمر وما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلي علي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أو يموت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلى علي فأنزل اللّه تعالى توبتنا على نبيه صلّى اللّه عليه وسلم حين بقي الثلث الأخير من الليل ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عند أم سلمة ، وكانت محسنة في شأني معينة في أمري ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : يا أم سلمة تيب على كعب بن مالك قالت : أفلا أرسل إليه أبشره ؟ قال إذا تحطمكم الناس فيمنعونكم النوم