الآلوسي

415

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

ولعل ما ذكرناه أقرب للذوق وأقل مئونة مما تكلف له ؛ وأيا ما كان فالخطاب عام للنساء مطلقا وكونه لها ولجواريها - كما قيل - ليس بذاك ، وتعميم الخطاب للتنبيه على أن الكيد خلق لهن عريق : ولا تحسبا هندا لها الغدر وحدها * سجية نفس كل غانية هند « 1 » إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ فإنه ألطف وأعلق بالقلب وأشد تأثيرا في النفس ولأن ذلك قد يورث من العار ما لا يورثه كيد الرجال ، ولربات القصور منهن القدح المعلى من ذلك لأنهن أكثر تفرغا من غيرهن مع كثرة اختلاف الكيادات إليهن فهن جوامع كوامل ، ولعظم كيد النساء « 2 » اتخذهن إبليس عليه اللعنة وسائل لإغواء من صعب عليه إغواؤه ، ففي الخبر « ما أيس الشيطان من أحد إلا أتاه من جهة النساء » وحكي عن بعض العلماء أنه قال : أنا أخاف من النساء ما لا أخاف من الشيطان فإنه تعالى يقول : إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً [ النساء : 76 ] وقال للنساء : إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ولأن الشيطان يوسوس مسارقة وهن يواجهن به ، ولا يخفى أن استدلاله بالآيتين مبني على ظاهر إطلاقهما ، ومثله مما تنقبض له النفس وتنبسط يكفي فيه ذلك القدر فلا يضر كون ضعف كيد الشيطان إنما هو في مقابلة كيد اللّه تعالى ، وعظم كيدهن إنما هو بالنسبة إلى كيد الرجال ، وما قيل : إن ما ذكر لكونه محكيا عن قطفير - لا يصلح للاستدلال به بوجه من الوجوه - ليس بشيء لأنه سبحانه قصه من غير نكير فلا جناح في الاستدلال به كما لا يخفى يُوسُفُ حذف منه حرف النداء لقربه وكمال تفطنه للحديث ، وفي ندائه باسمه تقريب له عليه السلام وتلطيف . وقرأ الأعمش « يوسف » بالفتح ، والأشبه على ما قال أبو البقاء : أن يكون أخرجه على أصل المنادى كما جاء في الشعر يا عديا لقد وقتك الأواقي وقيل : لم تضبط هذه القراءة عن الأعمش ، وقيل : إنه أجرى الوقف مجرى الوصل ونقل إلى الفاء حركة الهمزة من قوله تعالى : أَعْرِضْ عَنْ هذا أي عن هذا الأمر واكتمه ولا تتحدث به فقد ظهر صدقك وطهارة ثوبك ، وهذا كما حكى اللّه أكبر أشهد أن لا إله إلا اللّه بالوصل والفتح ، وقرئ « أعرض » بصيغة الماضي فيوسف حينئذ مبتدأ والجملة بعده خبر ، ولعل المراد الطلب على أتم وجه فيؤول إلى معنى أَعْرِضْ وَاسْتَغْفِرِي أنت أيتها المرأة ، وضعف أبو البقاء هذه القراءة بأن الأشبه عليها أن يقال : فاستغفري لِذَنْبِكِ الذي صدر عنك وثبت عليك إِنَّكِ كُنْتِ بسبب ذلك مِنَ الْخاطِئِينَ أي من جملة القوم المتعمدين للذنب ، أو من جنسهم يقال : خطئ يخطئ خطأ وخطأ إذا أذنب متعمدا ، وأخطأ إذا أذنب من غير تعمد ، وذكر الراغب أن الخطأ العدول عن الجهة وهو أضرب : الأول أو يريد غير ما تحسن إراداته فيفعله ، وهذا هو الخطأ التام المأخوذ به الإنسان ، والثاني أن يريد ما يحسن فعله ولكن يقع منه خلاف ما يريد وهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل ، ومن ذلك قوله صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « من اجتهد فأخطأ فله أجر » والثالث أن يريد ما لا يحسن فعله ويتفق منه خلافه فهذا مخطئ في الإرادة مصيب في الفعل ، ولا يخفى أن المعنى الذي ذكرناه راجع إلى الضرب الأول من هذه الضروب ، والجملة المؤكدة في موضع التعليل للأمر والتذكير لتغليب الذكور على الإناث واحتمال أن يقال : المراد إنك من نسل الخاطئين فمنهم سرى ذلك العرق الخبيث فيك بعيد جدا ، وهذا النداء قيل : من الشاهد الحكيم ، وروي ذلك عن ابن عباس ، وحمل الاستغفار على طلب المغفرة والصفح من الزوج ، ويحتمل أن يكون المراد به طلب المغفرة من اللّه تعالى ويقال : إن أولئك القوم وإن كانوا يعبدون الأوثان إلّا أنهم مع ذلك يثبتون الصانع ويعتقدون أن للقبائح

--> ( 1 ) هو لأبي تمام من قصيدة ا ه منه . ( 2 ) وهذا من كيده فافهم ا ه منه . .