الآلوسي
376
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
ومنهم من لم يتعرض للمسألة لكن ذكر ما يشعر بعدم كونهم أنبياء كتفسيره الأسباط بمن نبئ من بني إسرائيل والمنزل إليهم بالمنزل إلى أنبيائهم كأبي الليث السمرقندي والواحدي ، ومنهم من لم يذكر شيئا من ذلك ولكن فسر الأسباط بأولاد يعقوب فحسبه ناس قولا بنبوتهم وليس نصا فيه لاحتمال أن يريد بالأولاد ذريته لابنيه لصلبه ، وذكر الشيخ ابن تيمية في مؤلف له خاص في هذه المسألة ما ملخصه : الذي يدل عليه القرآن واللغة والاعتبار أن إخوة يوسف عليه السلام ليسوا بأنبياء وليس في القرآن ولا عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بل ولا عن أحد من أصحابه رضي اللّه تعالى عنهم خبر بأن اللّه تعالى نبأهم وإنما احتج من قال : بأنهم نبئوا بقوله تعالى في آيتي [ البقرة : 136 ، 140 ] [ والنساء : 163 ] و الْأَسْباطِ * وفسر ذلك بأولاد يعقوب والصواب أنه ليس المراد بهم أولاده لصلبه بل ذريته كما يقال لهم : بنو إسرائيل ، وكما يقال لسائر الناس : بنو آدم ، وقوله تعالى : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [ الأعراف : 159 ] وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً [ الأعراف : 160 ] صريح في أن الأسباط هم الأمم من بني إسرائيل وكل سبط أمة ، وقد صرحوا بأن الأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من بني إسماعيل ، وأصل السبط كما قال أبو سعيد الضرير : شجرة واحدة ملتفة كثيرة الأغصان فلا معنى لتسمية الأبناء الاثني عشر أسباطا قبل أن ينتشر عنهم الأولاد ، فتخصيص الأسباط في الآية ببنيه عليه السلام لصلبه غلط لا يدل عليه اللفظ ولا المعنى ومن ادعاه فقد أخطأ خطأ بينا والصواب أيضا أنهم إنما سموا أسباطا من عهد موسى عليه السلام ، ومن حينئذ كانت فيهم النبوة فإنه لم يعرف فيهم نبي قبله إلا يوسف ، ومما يؤيد ذلك أنه سبحانه لما ذكر الأنبياء من ذرية إبراهيم قال : وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ [ الأنعام : 84 ] الآيات فذكر يوسف ومن معه ولم يذكر الأسباط ولو كان إخوة يوسف قد نبئوا كما نبئ لذكروا كما ذكر ، وأيضا إن اللّه تعالى ذكر للأنبياء عليهم السلام من المحامد والثناء ما يناسب النبوة وإن كان قبلها ؛ وجاء في الحديث « أكرم الناس يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم نبي ابن نبي » فلو كانت إخوته أنبياء كانوا قد شاركوه في هذا الكرم ، وهو سبحانه لما قص قصتهم وما فعلوا بأخيهم ذكر اعترافهم بالخطيئة وطلبهم الاستغفار من أبيهم ولم يذكر من فضلهم ما يناسب النبوة وإن كان قبلها ، بل ولا ذكر عنهم توبة باهرة كما ذكر عمن ذنبه دون ذنبهم ، ولم يذكر سبحانه عن أحد من الأنبياء قبل النبوة ولا بعدها أنه فعل مثل هذه الأمور العظيمة من عقوق الوالد وقطيعة الرحم وإرقاق المسلم وبيعه إلى بلاد الكفر . والكذب البين إلى غير ذلك مما حكاه عنهم ، بل لو لم يكن دليل على عدم نبوتهم سوى صدور هذه العظائم منهم لكفى لأن الأنبياء معصومون عن صدور مثل ذلك قبل النبوة وبعدها عند الأكثرين ، وهي أيضا أمور لا يطيقها من هو دون البلوغ فلا يصح الاعتذار بأنها صدرت منهم قبله وهو لا يمنع الاستنباء بعد ، وأيضا ذكر أهل السير أن إخوة يوسف كلهم ماتوا بمصر وهو أيضا مات بها لكن أوصى بنقله إلى الشام فنقله موسى عليه السلام ولم يذكر في القرآن أن أهل مصر قد جاءهم نبي قيل موسى غير يوسف ولو كان منهم نبي لذكر ، وهذا دون ما قبله في الدلالة كما لا يخفى . والحاصل أن الغلط في دعوى نبوتهم « 1 » إنما جاء من ظن أنهم هم الأسباط وليس كذلك إنما الأسباط أمة عظيمة ، ولو كان المراد بالأسباط أبناء يعقوب لقال سبحانه ويعقوب وبنيه فإنه أبين وأوجز لكنه عبر سبحانه بذلك إشارة إلى أن النبوة حصلت فيهم من حين تقطيعهم أسباطا من عهد موسى عليه السلام فليحفظ . هذا ولما نبهه عليه السلام على أن لرؤياه شأنا عظيما وحذره مما حذره شرع في تعبيرها وتأويلها على وجه
--> ( 1 ) سيأتي قريبا إن شاء اللّه تعالى أن منهم من استدل على نبوتهم بغير ذلك ، وأن فيه ما فيه ا ه منه .