الآلوسي

299

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

ومغفرته فانتهره ابن عمر وقال : حسبك ما قال اللّه تعالى ، وأخرج عن ابن عباس أن سائلا قام على الباب وهو عند ميمونة فقال : السلام عليكم أهل البيت ورحمة اللّه وبركاته وصلواته ومغفرته ، فقال : انتهوا بالتحية إلى ما قال اللّه سبحانه ، وفي رواية عن عطاء قال : كنت جالسا عند ابن عباس فجاء سائل فقال : السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ومغفرته ورضوانه فقال : ما هذا السلام ؟ ! وغضب حتى احمرت وجنتاه إن اللّه تعالى حد للسلام حدا ثم انتهى ونهى عما وراء ذلك ثم قرأ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ قال أبو الهيثم : أي تحمد أفعاله ، وفي الكشاف أي فاعل ما يستوجب به الحمد من عباده ففعيل بمعنى مفعول ، وجوز الراغب أن يكون حَمِيدٌ هنا بمعنى حامد ولعل الأول أولى مَجِيدٌ أي كثير الخير والإحسان ، وقال ابن الأعرابي : هو الرفيع يقال : مجد كنصر وكرم مجدا ومجادة أي كرم وشرف ؛ وأصله من مجدت الإبل إذا وقعت في مرعى كثير واسع ، وقد أمجدها الراعي إذا أوقعها في ذلك ، وقال الأصمعي : يقال : أمجدت الدابة إذا أكثرت علفها ، وقال الليث : أمجد فلان عطاءه ومجده إذا كثره ، ومن ذلك قول أبي حية النميري : تزيد على صواحبها وليست * « بماجدة » الطعام ولا الشراب أي ليست بكثيرة الطعام ولا الشراب ، ومن أمثالهم في كل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار أي استكثر من ذلك ، وقال الراغب : أي تحرى السعة في بذل الفضل المختص به ، وقال ابن عطية : مجد الشيء إذا حسنت أوصافه ، والجملة على ما في الكشف تذييل حسن لبيان أن مقتضى حالها أن تحمد مستوجب الحمد المحسن إليها بما أحسن وتمجده إذ شرفها بما شرف ، وقيل : هي تعليل لما سبق من قوله سبحانه : رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ أي الخوف والفزع ، قال الشاعر : إذا أخذتها هزة « الروع » أمسكت * بمنكب مقدام على الهول أروعا والفعل راع ، ويتعدى بنفسه كما في قوله : « ما راعني » إلا حمولة أهلها * وسط الديار تسف حب الخمخم والروع بضم الراء النفس وهي محل الروع ، والفاء لربط بعض أحوال إبراهيم عليه السلام ببعض غب انفصالها بما ليس بأجنبي من كل وجه بل له مدخل في السياق والسباق ، وتأخر الفاعل عن الظرف لكونه مصب الفائدة ، والمعنى لما زال عنه ما كان أوجسه منهم من الخيفة واطمأنت نفسه بالوقوف على جلية أمرهم وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ أي يجادل رسلنا في حالهم وشأنهم ، ففيه مجاز في الإسناد ، وكانت مجادلته عليه السلام لهم ما قصه اللّه سبحانه في قوله سبحانه في سورة العنكبوت : وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ قالَ : إِنَّ فِيها لُوطاً [ العنكبوت : 31 ، 32 ] فقوله عليه السلام : إِنَّ فِيها لُوطاً مجادلة وعدّ ذلك مجادلة لأن مآله على ما قيل : كيف تهلك قرية فيها من هو مؤمن غير مستحق للعذاب ؟ ولذا أجابوه بقولهم نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ [ العنكبوت : 33 ] وهذا القدر من القول هو المتيقن . و عن حذيفة أنهم لما قالوا له عليه السلام ما قالوا ، قال : أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونها ؟ قالوا : لا ، قال : فثلاثون ؟ قالوا : لا ، قال : فعشرون ، قالوا : لا ، قال : فإن كان فيهم عشرة أو خمسة - شك الراوي . ؟ قالوا : لا ، قال : أرأيتم إن كان فيها رجل واحد من المسلمين أتهلكونها ؟ قالوا : لا ، فعند ذلك قال : إِنَّ فِيها لُوطاً فأجابوه بما أجابوه ، وروي نحو ذلك عدة روايات اللّه تعالى أعلم بصحتها ، وفسر بعضهم المجادلة بطلب الشفاعة ، وقيل : هي سؤاله عن العذاب هل هو واقع بهم لا محالة أم على سبيل الإخافة ليرجعوا إلى الطاعة ؟ وأيا ما كان - فيجادلنا -