الآلوسي

291

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

السلام مظنة لسؤال السامع بأنهم ما قالوا : أجيب بأنهم قالُوا سَلاماً أي سلمنا أو نسلم عليك سلاما فهو منصوب بفعل محذوف ، والجملة مقول القول قال ابن عطية : ويصح أن يكون مفعول قالُوا على أنه حكاية لمعنى ما قالوا لا حكاية للفظهم . وروي ذلك عن مجاهد والسدي ، ولذلك عمل فيه القول ، وهذا كما تقول لرجل قال : لا إله إلا اللّه قلت حقا وإخلاصا . وقيل : إن النصب - بقالوا - لما فيه من معنى الذكر كأنه قيل : ذكروا سلاما قالَ سَلامٌ أي عليكم سلام أو سلام عليكم ، والابتداء بنكرة مثله سائغ كما قرر في النحو ، وقد حياهم عليه السلام بأحسن من تحيتهم لأنها بجملة اسمية دالة على الدوام والثبات فهي أبلغ ، وأصل معنى السلام السلامة مما يضر . وقرأ حمزة والكسائي « سلم » في الثاني بدون ألف مع كسر السين وسكون اللام وهو على ما قيل : لغة في سَلامٌ كحرم ، وحرام ، ومنه قوله : مررنا فقلنا : إيه « سلم » فسلمت * كما اكتل بالبرق الغمام اللوائح وقال ابن عطية : ويحتمل أن يراد بالسلم ضد الحرب ، ووجه بأنهم لما امتنعوا من تناول طعامه وخاف منهم قاله أي أنا مسالم لا محارب لأنهم كانوا لا يأكلون طعام من بينهم وبينه حرب ، واعترض بأنه يدل على أن قوله هذا بعد تقديم الطعام . وقوله سبحانه : فَما لَبِثَ إلخ صريح في خلافه ، وذكر في الكشاف أن حمزة والكسائي قرءا بكسر السين وسكون اللام في الموضعين وهو مخالف للمنقول في كتب القراءات ، وقرأ ابن أبي عبلة - قال سلاما - بالنصب كالأول ، وعنه أنه قرأ بالرفع فيهما فَما لَبِثَ أي فما أبطأ إبراهيم عليه السلام أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ أي في مجيئه به أو عن مجيئه به فَما نافية ، وضمير لَبِثَ لإبراهيم . و أَنْ جاءَ بتقدير حرف جر متعلق بالفعل وحذف الجار قبل أن وأن مطرد ، وحكى ابن العربي أن أَنْ بمعنى حتى ، وقيل : أَنْ وما بعدها فاعل لَبِثَ أي فما تأخر مجيئه ، وروي ذلك عن الفراء ، واختاره أبو حيان . وقيل : ما مصدرية والمصدر مبتدأ أو هي اسم موصول بمعنى الذي كذلك ، و أَنْ جاءَ على حذف مضاف أي قدر وهو الخبر أي فلبثه أو الذي لبثه قدر مجيئه وليس بشيء والعجل ولد البقرة ، ويسمى الحسيل والخبش « 1 » بلغة أهل السراة والباء فيه للتعدية أو الملابسة ، والحنيذ السمين الذي يقطر ودكه من حنذت الفرس إذا عرقته بالجلال كأن ودكه كالجلال عليه ، أو كأن ما يسيل منه عرق الدابة المجللة للعرق ، واقتصر السدي على السمين في تفسيره لقوله تعالى : بِعِجْلٍ سَمِينٍ [ الذاريات : 26 ] ، وقيل : هو المشوي بالرضف في أخدود ، وجاء ذلك في رواية عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ، وفي رواية عن مجاهد تفسيره بالمطبوخ . وإنما جاء عليه السلام بالعجل لأن ما له كان البقر وهو أطيب ما فيها ، وكان من دأبه عليه السلام إكرام الضيف ، ولذا عجل القرى ، وذلك من أدب الضيافة لما فيه من الاعتناء بشأن الضيف ، وفي مجيئه بالعجل كله مع أنهم بحسب الظاهر يكفيهم بعضه دليل على أنه من الأدب أن يحضر للضيف أكثر مما يأكل ، واختلف في هذا العجل هل كان مهيأة قبل مجيئهم أو أنه هيئ بعد أن جاءوا ؟ قولان اختار أبو حيان أولهما لدلالة السرعة بالإتيان به على ذلك ، ويختار الفقير ثانيهما لأنه أزيد في العناية وأبلغ في الإكرام ، وليست السرعة نصا في الأول كما لا يخفى .

--> ( 1 ) قوله : والخبش كذا في خطه على احتمال أنه الحبش ، ولم نظفر بأيهما اسم ولد البقرة حرره .