الآلوسي

212

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

ما معنى ذلك يا رسول اللّه ؟ قال : ليبلوكم أيكم أحسن عقلا ، ثم قال : وأحسنكم عقلا أورعكم عن محارم اللّه تعالى وأعملكم بطاعة اللّه تعالى » لكن ذكر الحافظ السيوطي أن سنده واه . وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان أن معنى أَحْسَنُ عَمَلًا أزهد في الدنيا ، وعن مقاتل أتقى للّه تعالى ، وعن الضحاك أكثرهم شكرا . ولعل أخذ العمل شاملا للأمرين أولى ، وأفضلها ما كان عمل القلب كيف لا ومدار العبادة القالبية الواجبة على العباد معرفة اللّه تعالى التي تحل القلب ، وقد يرفع به للعبد في يوم مثل عمل أهل الأرض . و في بعض الآثار « تفكر ساعة يعدل عبادة سبعين سنة » واعتبار خلق السماوات في ضمن المفرع عليه لما أن في السماوات مما هو من مبادئ النظر وتهيئة أسباب المعاش الأرضية التي بها قوام القالب ما لا يخفى ، وقريب من هذا أن ذكر السماوات وخلقها لتكون أمكنة الكواكب والملائكة العاملين فيها لأجل الإنسان . وقال بعض المحققين : إن كون خلق الأرض وما فيها للابتلاء ظاهر ، وأما خلق السماوات فذكر تتميما واستطرادا مع أن السماوات مقر الملائكة الحفظة وقبلة الدعاء ومهبط الوحي إلى غير ذلك مما له دخل في الابتلاء في الجملة ، ولعل ما أشير إليه أولا أولى ، وجملة الاستفهام في موضع المفعول الثاني لفعل البلوى على المشهور ، وجعل في الكشاف الفعل هنا معلقا لما فيه من معنى العلم ، ومنع في سورة الملك تسمية ذلك تعليقا مدعيا أنه إنما يكون إذا وقع بعد الفعل ما يسدّ مسدّ المفعولين جميعا - كعلمت أيهما فعل كذا . وعلمت أزيد منطلق - وبين كلاميه في السورتين اضطراب بحسب الظاهر ، وأجاب عنه في الكشف بما حاصله أن للتعليق معنيين : مصطلح ويعدى بعن وهو المنفي في تلك السورة ولغوي ويعدى بالباء وعلى ، وهو خاص بفعل القلب من غير تخصيص بالسبعة المتعدية إلى مفعولين ولا يكون إلا في الاستفهام خاصة دون ما فيه لام الابتداء ونحوه ، ومعنى تعليق الفعل على ما فيه ذلك أن يرتبط به معنى وإعرابا سواء كان لفظا أو محلا وهو المثبت هاهنا ، وقال الطيبي : يمكن أن يكون ما هنا على إضمار العلم كأنه قيل : لِيَبْلُوَكُمْ فيعلم أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا والتعليق فيه ظاهر ، وما هناك على تضمين الفعل معنى العلم كأنه قيل : ليعلمكم أيكم إلخ فيصح النفي ، ولا يخفى على من راجع كلامه أن فيه ما يأبى ذلك ، وقد يقال : إن التعليق لا يختص بما كان من الأفعال بمعنى العلم كما ذهب إليه ثعلب والمبرد وابن كيسان ، وإن وجهه أويس بما في همع الهوامع ، ورجحه الشلوبين ، ولا بالفعل القلبي مطلقا بل يكون فيه وفي غيره مما ألحق به لكن مع الاستفهام خاصة ، واقتصر بعضهم في الملحق على بصر وتفكر وسأل - وزاد ابن خروف نظر - ووافقه ابن عصفور ، وابن مالك ، وزاد الأخير نسي كما في قوله : ومن أنتم إنا نسينا من أنتم ونازعه أبو حيان بأن - من - تحتمل الموصولية والعائد محذوف أي من هم أنتم ، وكذا زاد أيضا ما قارب المذكورات من الأفعال التي لها تعلق بفعل القلب - كترى البصرية - في قوله : أما ترى أي برق هنالك . وكيستنبئون في قوله تعالى : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ [ يونس : 53 ] وكنبلو فيما نحن فيه ، ونازعه أبو حيان بأن ترى في الأول علمية ، وأيكم في الأخير موصولة حذف صدر صلتها فبنيت وهي بدل من ضمير الخطاب بدل بعض ، ونقل ذلك عنه الجلال السيوطي ولم أجده في بحره ، وفي الرضي أن جميع أفعال الحواس تعلق عن العمل ، وفي التسهيل ما يؤيده ، وأجاز يونس تعليق كل فعل غير ما ذكر ، وخرج عليه ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ [ مريم : 69 ] والجمهور لم يوافقوه على ذلك ، وقد ذكر بعض الفضلاء أن الفعل القلبي وما جرى مجراه إما متعد إلى واحد أو اثنين ، فالأول يجوز تعليقه سواء تعدى بنفسه كعرف ، أو بحرف كتفكر لأن معموله لا يكون إلا مفردا ، وبالتعليق بطل عمله في