الآلوسي

6

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

قسما كما يقال : برئت من اللّه تعالى إن فعلت كذا ، وكقول مالك بن الأشتر النخعي : أبقيت وفري وانحرفت عن العلى * ولقيت أضيافي بوجه عبوس إن لم أشن على ابن هند غارة * لم تخل يوما من ذهاب نفوس وهذا نوع من أنواع البديع وقد ذكره غير واحد من أصحاب البديعيات ، ومثله عز الدين الموصلي بقوله : برئت من سلفي والشم من هممي * إن لم أدن بتقى مبرورة القسم والباغونية بقولها : لا مكنتنى المعالي من سيادتها * إن لم أكن لهم من جملة الخدم وَما يَكُونُ لَنا أي ما يصح لنا وما يقع فيكون تامة ، وقد يأتي ذلك بمعنى ما ينبغي وما يليق . أَنْ نَعُودَ فِيها في حال من الأحوال أو وقت من الأوقات إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا أي إلا حال أو وقت مشيئة اللّه لعودنا ، والتعرض لعنوان الربوبية للتصريح بأنه المالك الذي لا يسأل عما يفعل . وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً فهو سبحانه يعلم كل حكمة ومصلحة ومشيئته على موجب الحكمة فكل ما يقع مشتمل عليها ، وهذا إشارة إلى عدم الأمن من مكر اللّه سبحانه فإنه لا يأمن مكر اللّه إلا القوم الكافرون ، وفيه من الانقطاع إلى اللّه تعالى ما لا يخفى ، ويؤكد ذلك قوله تعالى : عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا فإن التوكل عليه سبحانه إظهار العجز والاعتماد عليه جل شأنه ، وإظهار الاسم الجليل للمبالغة ، وتقديم المعمول لإفادة الحصر . وفي الآية دلالة على أن للّه تعالى أن يشاء الكفر . وادعى شيخ الإسلام أن المراد استحالة وقوع ذلك كأنه قيل : وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء اللّه تعالى العود وهيهات ذلك ، ولا يكاد يكون كما ينبئ عنه التعرض لعنوان الربوبية ، وقولهم : بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ فإن تنجيته تعالى إياهم منها من دلائل عدم مشيئته سبحانه لعودهم فيها ، وفرع على قوله تعالى : وَسِعَ إلخ بعد أن فسره بما فسره محالية مشيئته العود لكن لطفا وهو وجه في الآية ، ولعل ما ذهبت إليه فيها أولى ، ولا يرد على تقدير العود مفعولا للمشيئة أنه ليس لذكر سعة العلم بعد حينئذ كبير معنى ، بل كان المناسب ذكر شمول الإرادة وأن الحوادث كلها بمشيئة اللّه تعالى لما لا يخفى ، ولا يحتاج إلى القول بأن ذلك منه عليه السلام رد لدعوى الحصر باحتمال قسم ثالث ، والزمخشري بنى تفسيره على عقيدته الفاسدة من وجوب رعاية الصلاح والأصلح وأن اللّه تعالى لا يمكن أن يشاء الكفر بوجه لخروجه عن الحكمة ، واستدل بقوله سبحانه : وَسِعَ إلخ ، ورده ابن المنير بأن موقع ما ذكر الاعتراف بالقصور عن علم العاقبة والاطلاع على الأمور الغائبة . ونظير ذلك قول إبراهيم عليه السلام : وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً [ الأنعام : 80 ] فإنه عليه السلام لما رد الأمر إلى المشيئة وهي مغيبة مجد اللّه تعالى بالانفراد بعلم الغائبات انتهى ، وإلى كون المراد من الاستثناء التأبيد ذهب جعفر بن الحارث والزجاج أيضا وجعلوا ذلك كقول الشاعر : إذا شاب الغراب أتيت أهلي * وصار القار كاللبن الحليب وأنت خبير بأن ذلك مخالف للنصوص النقلية والعقلية وللعبارة والإشارة ، وقال الجبائي ، والقاضي : المراد بالملة الشريعة وفيها ما لا يرجع إلى الاعتقاد ، ويجوز أن يتعبد اللّه تعالى عباده به ومفعول المشيئة العود إلى ذلك أي ليس لنا أن نعود إلى ملتكم إلا أن يشاء اللّه بأن يتعبدنا بها وينقلنا وينسخ ما نحن فيه من الشريعة ، وقيل : المراد إلا أن