الآلوسي

287

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

استنفر الناس في وقت عسرة وشدة من الحر وجدب من البلاد وقد أدركت ثمار المدينة وطابت ظلالها مع بعد الشقة وكثرة العدو فشق عليه الشخوص لذلك . وذكر ابن هشام أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه عليه الصلاة والسلام بينها للناس ليتأهبوا لذلك أهبته أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا وغرورها مِنَ الْآخِرَةِ أي بدل الآخرة ونعيمها الدائم فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي فما فوائدها ومقاصدها أو فما التمتع بها وبلذائذها فِي الْآخِرَةِ أي في جنب الآخرة إِلَّا قَلِيلٌ مستحقر لا يعبأ به ، والإظهار في مقام الإضمار لزيادة التقرير ، و فِي هذه تسمى القياسية لأن المقيس يوضع في جنب ما يقاس به ، وفي ترشح الحياة الدنيا بما يؤذن بنفاستها ويستدعي الرغبة فيها وتجريد الآخرة عن مثل ذلك مبالغة في بيان حقارة الدنيا ودناءتها وعظم شأن الآخرة ورفعتها . و قد أخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن المسور قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم ثم يرفعها فلينظر بم ترجع » . و أخرج الحاكم وصححه عن سهل قال : مر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بذي الحليفة فرأى شاة شائلة برجلها فقال : أترون هذه الشاة هينة على صاحبها ؟ قالوا : نعم . قال عليه الصلاة والسلام « والذي نفسي بيده للدنيا أهون على اللّه تعالى من هذه على صاحبها ولو كانت تعدل عند اللّه جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء » ولا أرى الاستدلال على رداءة الدنيا إلا استدلالا في مقام الضرورة . نعم هي نعمت الدار لمن تزود منها لآخرته . إِلَّا تَنْفِرُوا أي الا تخرجوا إلى ما دعاكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للخروج له يُعَذِّبْكُمْ أي اللّه عزّ وجلّ عَذاباً أَلِيماً بالإهلاك بسبب فظيع لقحط . وظهور عدو ، وخص بعضهم التعذيب بالآخرة وليس بشيء ، وعممه آخرون واعتبروا فيه الإهلاك ليصح عطف قوله سبحانه : وَيَسْتَبْدِلْ عليه أي ويستبدل بكم بعد إهلاككم قَوْماً غَيْرَكُمْ وصفهم بالمغايرة لهم لتأكيد الوعيد والتشديد في التهديد بالدلالة على المغايرة الوصفية والذاتية المستلزمة للاستئصال ، أي قوما مطيعين مؤثرين للآخرة على الدنيا ليسوا من أولادكم ولا أرحامكم وهم أبناء فارس كما قال سعيد بن جبير أو أهل اليمن كما روي عن أبي روق أو ما يعم الفريقين كما اختاره بعض المحققين وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً من الأشياء من الضرر ، والضمير للّه عزّ وجلّ أي لا يقدح تثاقلكم في نصرة دينه أصلا فإنه سبحانه الغني عن كل شيء وفي كل أمر ، وقيل : الضمير للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فإن اللّه عزّ وجلّ وعده العصمة والنصر وكان وعده سبحانه مفعولا لا محالة ، والأول هو المروي عن الحسن واختاره أبو علي الجبائي وغيره ، ويقرب الثاني رجوع الضمير الآتي إليه عليه الصلاة والسلام اتفاقا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على إهلاكهم والإتيان بقوم آخرين ، وقيل : على التبديل وتغيير الأسباب والنصرة بلا مدد فتكون الجملة تتميما لما قبل وتوطئة لما بعد . إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا من مكة ، وإسناد الإخراج إليهم إسناد إلى السبب البعيد فإن اللّه تعالى أذن له عليه الصلاة والسلام بالخروج حين كان منهم ما كان فخرج صلّى اللّه عليه وسلّم بنفسه ثانِيَ اثْنَيْنِ حال من ضميره عليه الصلاة والسلام . أي أحد اثنين من غير اعتبار كونه صلّى اللّه عليه وسلّم ثانيا ، فإن معنى قولهم ثالث ثلاثة ورابع أربعة ونحو ذلك أحد هذه الاعداد مطلقا لا الثالث والرابع خاصة ، ولذا منع الجمهور أن ينصب ما بعد بأن يقال ثالث ثلاثة ورابع أربعة ، فلا حاجة إلى تكلف توجيه كونه عليه الصلاة والسلام ثانيهما كما فعله بعضهم . وقرئ « ثاني » بسكون الياء على لغة من يجري الناقص مجرى المقصور في الاعراب ، وليس بضرورة خلافا لمن زعمه وقال : إنه من أحسن