الآلوسي
276
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
المراد من هذه الكلمة التعجب من شناعة قولهم فقد شاعت في ذلك حتى صارت تستعمل في المدح فيقال : قاتله اللّه تعالى ما أفصحه . وقيل : هي للدعاء والتعجب يفهم من السياق لأنها كلمة لا تقال إلا في موضع التعجب من شناعة فعل قوم أو قولهم ولا يخفى ما فيه مع أن تخصيصها بالشناعة شناعة أيضا أَنَّى يُؤْفَكُونَ أي كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل بعد وضوح الدليل وسطوح البرهان اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ زيادة تقرير لما سلف من كفرهم باللّه تعالى ، والأحبار علماء اليهود ، واختلف في واحدة فقال الأصمعي : لا أدري أهو حبر أو حبر ، وقال أبو الهيثم : هو بالفتح لا غير ، وذكر ابن الأثير أنه بالفتح والكسر وعليه أكثر أهل اللغة ، والصحيح إطلاقه على العالم ذميا كان أو مسلما فقد كان يقال لابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما الحبر ويجمع كما في القاموس على حبور أيضا وكأنه مأخوذ من تحبير المعاني بحسن البيان عنها وَرُهْبانَهُمْ وهم علماء النصارى من أصحاب الصوامع ، وهو جمع راهب وقد يقع على الواحد ويجمع على رهابين ورهابنة وفي مجمع البيان أو الراهب هو الخاشي الذي تظهر عليه الخشية وكثر إطلاقه على متنسكي النصارى وهو مأخوذ من الرهبة أي الخوف ، وكانوا لذلك يتخلون من أشغال الدنيا وترك ملاذها والزهد فيها والعزلة عن أهلها وتعمد مشاقها حتى أن منهم من كان يخصي نفسه ويضع السلسلة في عنقه وغير ذلك من أنواع التعذيب ، ومن هنا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا رهبانية في الإسلام » والمراد في الآية اتخذ كل من الفريقين علماءهم لا الكل الكل أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل اللّه تعالى وتحليل ما حرمه سبحانه وهو التفسير المأثور عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فقد روى الثعلبي وغيره عن عدي بن حاتم قال : أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفي عنقي صليب من ذهب فقال : يا عدي اطرح عنك هذا الوثن وسمعته يقرأ في سورة براءة اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه فقلت له : يا رسول اللّه لم يكونوا يعبدونهم فقال عليه الصلاة والسلام . أليس يحرمون ما أحل اللّه تعالى فيحرمونه ويحلون ما حرم اللّه فيستحلون ؟ فقلت : بلى . قال : ذلك عبادتهم . وسئل حذيفة رضي اللّه تعالى عنه عن الآية فأجاب بمثل ما ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ونظير ذلك قولهم : فلان يعبد فلانا إذا أفرط في طاعته فهو استعارة بتشبيه الإطاعة بالعبادة أو مجاز مرسل بإطلاق العبادة وهي طاعة مخصوصة على مطلقها والأول أبلغ ، وقيل : اتخاذهم أربابا بالسجود لهم لا يصلح إلا للرب عزّ وجل وحينئذ فلا مجاز إلا أنه لا مقال لأحد بعد صحة الخبر عن الرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . والآية ناعية على كثير من الفرق الضالة الذين تركوا كتاب اللّه تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام لكلام علمائهم ورؤسائهم والحق أحق بالاتباع فمتى ظهر وجب على المسلم اتباعه وإن أخطأه اجتهاد مقلده وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ عطف على رُهْبانَهُمْ بأن اتخذوه ربا معبودا أو بأن جعلوه ابنا للّه كما يقتضيه سياق الآية على ما قيل وفيه نظر . وتخصيص الاتخاذ به عليه السلام يشير إلى أن اليهود ما فعلوا ذلك بعزير ، وتأخيره في الذكر مع أن اتخاذهم له كذلك أقوى من مجرد الإطاعة في أمر التحليل والتحريم لأنه مختص بالنصارى ، ونسبته عليه السلام إلى أمه للإيذان بكمال ركاكة رأيهم والقضاء عليهم بنهاية الجهل والحماقة . وَما أُمِرُوا أي والحال أن أولئك الكفرة ما أمروا في الكتب الإلهية وعلى ألسنة الأنبياء عليهم السلام إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً جليل الشأن وهو اللّه سبحانه ويطيعوا أمره ولا يطيعوا أمر غيره بخلافه فإن ذلك مناف لعبادته جل شأنه ، وأما إطاعة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وسائر من أمر اللّه بطاعته فهي في الحقيقة إطاعة للّه عزّ وجل ، وما أمر الذين اتخذهم الكفرة أربابا من المسيح عليه السلام والأحبار والرهبان إلا ليطيعوا أو ليوحدوا اللّه تعالى فكيف يصح أن يكونوا أربابا وهم مأمورون مستعبدون مثلهم ، ولا يخفى أن تخصيص العبادة به تعالى لا يتحقق إلا بتخصيص الطاعة