الآلوسي
260
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ التي أتى بهما الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فيندرج في ذلك الإيمان به عليه الصلاة والسلام حتما إذ لا يتلقى ذلك إلا منه صلّى اللّه عليه وسلّم . وجوز أن يكون ذكر الإيمان به عليه الصلاة والسلام قد طوى تحت ذكر الإيمان باللّه تعالى دلالة على أنهما كشيء واحد إذا ذكر أحدهما فهم الآخر ، على أنه أشير بذكر المبدأ والمعاد إلى ما يجب الإيمان به أجمع ومن جملته رسالته صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقيل : إنما لم يذكر عليه الصلاة والسلام لأن المراد « بمن » هو صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه أي المستحق لعمارة المساجد من هذه صفته كائنا من كان ، وليس الكلام في إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام والإيمان به بل فيه نفسه وعمارته المسجد واستحقاقه لها ، فالآية على حد قوله سبحانه : إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً إلى قوله تعالى : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ [ الأعراف : 158 ] والوجه الثاني أولى . والمراد بالعمارة ما يعم مرمة ما استرم منها وقمها وتنظيفها وتزيينها بالفرش لا على وجه يشغل قلب المصلى عن الحضور ، ولعل ما هو من جنس ما يخرج من الأرض كالقطن والحصر السامانية أولى من نحو الصوف إذ قيل : بكراهة الصلاة عليه ، وتنويرها بالسرج ولو لم يكن هناك من يستضيء بها على ما نص عليه جمع ، وإدامة العبادة والذكر ودراسة العلوم الشرعية فيها ونحو ذلك ، وصيانتها مما لم تبن له في نظر الشارع كحديث الدنيا ، ومن ذلك الغناء على مآذنها كما هو معتاد الناس لا سيما بالأبيات التي غالبها هجر من القول . وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام « الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش » وهذا الحديث في الحديث المباح فما ظنك بالمحرم مطلقا أو المرفوع فوق المآذن . وأخرج الطبراني بسند صحيح عن سلمان رضي اللّه تعالى عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من توضأ في بيته ثم أتى المسجد فهو زائر اللّه تعالى وحق على المزور أن يكرم الزائر » و أخرج سليم الرازي في الترغيب عن أنس رضي اللّه تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه » و أخرج أبو بكر الشافعي . وغيره عن أبي قرصافة قال : « سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين » وسمعته عليه الصلاة والسلام يقول « من بنى للّه تعالى مسجدا بنى اللّه تعالى له بيتا في الجنة فقالوا : يا رسول اللّه وهذه المساجد التي تبنى في الطرق . فقال عليه الصلاة والسلام : وهذه المساجد التي تبنى في الطرق » و أخرج الطبراني عن أبي أمامة قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الغدو والرواح إلى المسجد من الجهاد في سبيل اللّه تعالى » و أخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة والحاكم وصححه وجماعة عن أبي سعيد الخدري قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان وتلا صلّى اللّه عليه وسلّم إنما يعمر » الآية . واستشكل ذكر إيتاء الزكاة في الآية بأنه لا تظهر مدخليته في العمارة ، وتكلف لذلك بأن الفقراء يحضرون المساجد للزكاة فتعمر بهم وأن من لا يبذل المال للزكاة الواجبة لا يبذله لعمارتها وهو كما ترى . والحق أن المقصود بيان أن من يعمر المساجد هو المؤمن الظاهر إيمانه وهو إنما يظهر بإقامة واجباته ، فعطف الإقامة والإيتاء على الإيمان للإشارة إلى ذلك وَلَمْ يَخْشَ أحدا إِلَّا اللَّهَ فعمل بموجب أمره ونهيه غير آخذ له في اللّه تعالى لومة لائم ولا مانع له خوف ظالم فيندرج فيه عدم الخشية عند القتال الموبخ عليها في قوله سبحانه : أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ وأما الخوف الجبليّ من الأمور المخوفة فليس من هذا الباب ولا هو مما يدخل تحت التكليف ، والخطاب والنهي في قوله تعالى : خُذْها وَلا تَخَفْ [ طه : 21 ] ليس على حقيقته . وقيل : كانوا يخشون الأصنام ويرجونها فأريد نفي تلك الخشية عنهم فَعَسى أُولئِكَ المنعوتون بأكمل النعوت أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ أي إلى الجنة وما أعد اللّه تعالى فيها لعباده كما روي عن ابن عباس والحسن ،