الآلوسي
240
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
صلّى اللّه عليه وسلّم فدخل بنو بكر في عهد قريش ثم عدت بنو بكر على خزاعة فنالت منها وأعانتهم قريش بالسلاح فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا عهدهم خرج عمرو الخزاعي حتى وقف على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأنشد : لا همّ إني ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيه الأتلدا قد كنتم ولدا وكنا والدا * ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا فانصر هداك اللّه نصرا أعتدا * وادع عباد اللّه يأتوا مددا فيهم رسول اللّه قد تجردا * إن سيم خسفا وجهه تربدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا * إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا * وجعلوا لي من كداء رصدا وزعموا أن لست ادعوا أحدا * وهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالحطيم جهدا * وقتلونا ركعا وسجدا فقال عليه الصلاة والسلام : « لا نصرت إن لم أنصرك » ثم تجهز إلى مكة ففتحها سنة ثمان من الهجرة فلما كانت سنة تسع أراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحج فقال : إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة فبعث عليه الصلاة والسلام تلك السنة أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه أميرا على الناس ليقيم لهم الحج وكتب له سننه ثم بعث بعده عليا كرم اللّه تعالى وجهه على ناقته العضباء ليقرأ على أهل الموسم صدر براءة فلما دناه علي كرم اللّه تعالى وجهه سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال : هذا رغاء ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلما لحقه قال : أمير أو مأمور ؟ قال : مأمور فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدثهم عن مناسكهم وقام علي كرم اللّه تعالى وجهه يوم النحر عند جمرة العقبة فقال : أيها الناس إني رسول رسول اللّه تعالى إليكم فقالوا : بما ذا ؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية من السورة ثم قال : أمرت بأربع أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده ، واختلفت الروايات في أن أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه هل كان مأمورا أولا بالقراءة أم لا والأكثر على أنه كان مأمورا وأن عليا كرم اللّه تعالى وجهه لما لحقه رضي اللّه تعالى عنه أخذ منه ما أمر بقراءته ، وجاء في رواية ابن حبان وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أن أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه حين أخذ منه ذلك أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقد دخله من ذلك مخافة أن يكون قد أنزل فيه شيء فلما أتاه قال : ما لي يا رسول اللّه ؟ قال : خير أنت أخي وصاحبي في الغار وأنت معي على الحوض غير أنه لا يبلغ عني غيري أو رجل مني و جاء من رواية أحمد والترمذي وحسنه وأبو الشيخ ، وغيرهم عن أنس قال : « بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ببراءة مع أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه ثم دعاه فقال : لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي فدعا عليّا كرم اللّه تعالى وجهه فأعطاه إياه » وهذا ظاهر في أن عليّا لم يأخذ ذلك من أبي بكر في الطريق وأكثر الروايات على خلافه ، وجاء في بعضها ما هو ظاهر في عدم عزل أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه عن الأمر بل ضم إليه علي كرم اللّه تعالى وجهه . فقد أخرج الترمذي وحسنه ، والبيهقي في الدلائل ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه عن ابن عباس « أن رسول صلّى اللّه عليه وسلّم بعث أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات ثم أتبعه عليّا وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات فحجا فقام علي رضي اللّه تعالى عنه في أيام التشريق فنادى أن اللّه بريء من المشركين ورسوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ولا يحجنّ بعد العام مشرك ولا يطوفنّ بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا مؤمن فكان علي كرم اللّه تعالى وجهه ينادي فإذا أعيا قام أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه فنادى بها » وأيّا ما كان ليس في شيء من الروايات ما يدل على أن عليّا رضي اللّه تعالى عنه هو الخليفة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دون أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه ،