الآلوسي

228

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

بالآن ظاهر وأما تقييد علم اللّه تعالى به فباعتبار تعلقه ، وقد قالوا : إن له تعلقا بالشيء قبل الوقوع وحال الوقوع وبعده وقال الطيبي : المعنى الآن خفف اللّه تعالى عنكم لما ظهر متعلق علمه أي كثرتكم التي هي موجب ضعفكم بعد ظهور قلتكم وقوتكم . وقرأ أكثر القراء « ضعفا » بضم الضاد وهي لغة فيه كالفقر والمكث . ونقل عن الخليل أن الضعف بالفتح ما في الرأي والعقل وبالضم ما في البدن . وقرأ أبو جعفر « ضعفاء » جمع ضعيف ، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر يكن المسند إلى المائة في الآيتين بالتاء اعتبار للتأنيث اللفظي ، ووافقهم أبو عمرو ويعقوب في يكن في الآية الثانية لقوة التأنيث بالوصف بصابرة المؤنث وأما إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ فالجميع على التذكير فيه . نعم روي عن الأعرج أنه قرأ بالتأنيث وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ تذييل مقرر لمضمون ما قبله ، وفي النظم الكريم صنعة الاحتباك قال في البحر : انظر إلى فصاحة هذا الكلام حيث أثبت قيدا في الجملة الأولى وهو صابرون وحذف نظيره من الثانية وأثبت قيدا في الثانية وهو مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وحذفه من الأولى ولما كان الصبر شديد المطلوبية أثبت في جملتي التخفيف وحذف من الثانية لدلالة السابقة عليه ثم ختم الآية بقوله سبحانه : وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ مبالغة في شدة المطلوبية ولم يأت في جملتي التخفيف بقيد الكفر اكتفاء بما قبله ، انتهى . وذكر الشهاب أنه بقي عليه أنه سبحانه ذكر في التخفيف بإذن اللّه وهو قيد لهما وأن قوله تعالى : وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ إشارة إلى تأييدهم وأنهم منصورون حتما لأن من كان اللّه تعالى معه لا يغلب ، وأنا أقول : لا يبعد أن يكون في قوله تعالى : وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ تحريض لهم على الصبر بالإشارة إلى أن أعداءهم إن صبروا كان اللّه تعالى معهم فأمدهم ونصرهم ، وبقي في هذا الكلام الجليل لطائف غير ما ذكر فاللّه تعالى در التنزيل ما أعذب ماء فصاحته وأنضر رونق بلاغته ما كانَ لِنَبِيٍّ قرأ أبو الدرداء . وأبو حيوة « للنبي » بالتعريف والمراد به نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم وهو عليه الصلاة والسلام المراد أيضا على قراءة الجمهور عند البعض ، وإنما عبر بذلك تلطفا به صلّى اللّه عليه وسلّم حتى لا يواجه بالعتاب ، ولذا قيل : إن ذاك على تقدير مضاف أي لأصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بدليل قوله تعالى الآتي : تُرِيدُونَ ولو قصد بخصوصه عليه الصلاة والسلام لقيل : تريد ، ولأن الأمور الواقعة في القصة صدرت منهم لا منه صلّى اللّه عليه وسلّم وفيه نظر ظاهر ، والظاهر أن المراد على قراءة الجمهور العموم ولا يبعد اعتباره على القراءة الأخرى أيضا وهو أبلغ لما فيه من بيان أن ما يذكر سنة مطردة فيما بين الأنبياء عليهم السلام ، أي ما صح وما استقام لنبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى . قرأ أبو عمرو ويعقوب « تكون » بالتاء الفوقية اعتبارا لتأنيث الجمع ، وعن أبي جعفر أنه قرأ أيضا « أسارى » قال أبو علي : وقراءة الجماعة أقيس لأن أسيرا فعيل بمعنى مفعول ، والمطرد فيه جمعه على فعلى كجريح وجرحى وقتيل وقتلى ، ولذا قالوا في جمعه على أسارى : إنه على تشبيه فعيل بفعلان ككسلان وكسالى ، وهذا كما قالوا كسلى تشبيها لفعلان بفعيل ونسب ذلك إلى الخليل ، وقال الأزهري : إنه جمع أسرى فيكون جمع الجمع ، واختار ذلك الزجاج وقال : إن فعلى جمع لكل من أصيب في بدنه أو في عقله كمريض ومرضى وأحمق وحمقى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ أي يبالغ في القتل ويكثر منه حتى يذل الكفر ويقل حزبه ويعز الإسلام ويستولي أهله ، وأصل معنى الثخانة الغلظ والكثافة في الأجسام ثم استعير للمبالغة في القتل والجراحة لأنها لمنعها من الحركة صيرته كالثخين الذي لا يسيل ، وقيل : إن الاستعارة مبنية على تشبيه المبالغة المذكورة بالثخانة في أن في كل منهما شدة في الجملة ، وذكر في الأرض للتعميم ، وقرئ « يثّخّن » بالتشديد للمبالغة في المبالغة تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا استئناف مسوق للعتاب ، والعرض ما لا ثبات له ولو جسما . وفي الحديث « الدنيا عرض حاضر » أي لا ثبات لها ، ومنه استعاروا العرض