الآلوسي
388
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
خمسين سنة . وقيل : وهو ابن مائتين وخمسين سنة ومكث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة . وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين فكان عمره ألفا وأربعمائة وخمسين سنة . وبعث - كما روى ابن أبي حاتم وابن عساكر عن قتادة - من الجزيرة . وهو أول نبي عذب الله تعالى قومه . وقد لقي منهم ما لم يلقه نبي من الأنبياء عليهم السلام . واختلف في عموم بعثته عليه السلام ابتداء مع الاتفاق على عمومها انتهاء حيث لم يبق بعد الطوفان سوى من كان معه في السفينة ، ولا يقدح القول بالعموم في كون ذلك من خواص نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم لأن ما هو من خواصه عليه الصلاة والسلام عموم البعثة لكافة الثقلين الجن والإنس . وذلك مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة فيكفر منكره بل وكذا الملائكة كما رجحه جمع محققون كالسبكي ومن تبعه وردوا على من خالف ذلك وصريح آية لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [ الفرقان : 1 ] إذ العالم ما سوى الله تعالى ، وخبر مسلم وأرسلت إلى الخلق كافة يؤيد ذلك بل قال البارزي : إنه صلّى اللّه عليه وسلّم أرسل حتى للجمادات بعد جعلها مدركة . وفائدة الإرسال للمعصوم وغير المكلف طلب إذعانهما لشرفه ودخولهما تحت دعوته واتباعه تشريفا على سائر المرسلين ولا كذلك بعثة نوح عليه السلام : والفرق مثل الصبح ظاهر . وهو - كما في القاموس - اسم أعجمي صرف لخفته ، وجاء عن ابن عباس ، وعكرمة ، وجويبر ، ومقاتل أنه عليه السلام إنما سمي نوحا لكثرة ما ناح على نفسه . واختلف في سبب ذلك فقيل : هو دعوته على قومه بالهلاك . قيل مراجعته ربه في شأن ابنه كنعان : وقيل : إنه مر بكلب مجذوم فقال له : اخسأ يا قبيح . فأوحى الله إليه أعبتني أم عبت الكلب . وقيل : هو إصرار قومه على الكفر فكان كلما دعاهم وأعرضوا بكى وناح عليهم . قيل : وكان اسمه قبل السكن لسكون الناس إليه بعد آدم عليه السلام . وقيل : عبد الجبار ، وأنا لا أعول على شيء من هذه الأخبار والمعول عليه عندي ما هو الظاهر من أنه اسم وضع له حين ولد ، وليس مشتقا من النياحة . وأنه كما قال صاحب القاموس فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي وحده ، وترك التقييد به للإيذان بأنها العبادة حقيقة وأما العبادة مع الإشراك فكلا عبادة ولدلالة قوله سبحانه وتعالى : ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ أي مستحق للعبادة غَيْرُهُ عليه ، وهو استئناف مسوق لتعليل العبادة المذكورة أو الأمر بها و مِنْ صلة و غَيْرُهُ بالرفع - وهي قراءة الجمهور - صفة إِلهٍ أو بدل منه باعتبار محله الذي هو الرفع على الابتداء أو الفاعلية . وقرأ الكسائي بالجر باعتبار لفظه ، وقرئ شاذا بالنصب على الاستثناء ، وحكم غير - كما في المفصل - حكم الاسم الواقع بعد إلا وهو المشهور أي ما لكم إله إلا إياه كقوله : ما في الدار أحد إلا زيدا وغير زيدا ، و إِلهٍ أن جعل مبتدأ - فلكم - خبره أو خبره محذوف و لَكُمْ للتخصيص والتبيين أي ما لكم في الوجود أو في العالم إله غير الله تعالى إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ إن لم تعبدوا حسبما أمرت به . وتقدير إن لم تؤمنوا لما أن عبادته سبحانه وتعالى تستلزم الإيمان به وهو أهم أنواعها وإنما قال عليه السلام : أَخافُ ولم يقطع حنوا عليهم واستجلابا لهم بلطف . عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ هو يوم القيامة أو يوم الطوفان لأنه أعلم بوقوعه إن لم يمتثلوا ، والجملة - كما قال شيخ الإسلام - تعليل للعبادة ببيان الصارف عن تركها أثر تعليلها ببيان الداعي إليها ، ووصف اليوم بالعظم لبيان عظم ما يقع فيه وتكميل الإنذار قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ استئناف مبنى على سؤال نشأ من حكاية قوله عليه السلام ونصحه لقومه كأنه قيل : فما ذا قالوا بعد ما قيل لهم ذلك ؟ فقيل : قال إلخ . والملأ - على ما قال الفراء - الجماعة من الرجال خاصة . وفسره غير واحد بالإشراف الذين يملئون القلوب بجلالهم والأبصار بجمالهم والمجالس بأتباعهم ، وقيل : سموا ملأ