الآلوسي
330
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
بالقياس . واستدل أهل هذا القول بهذا التوبيخ على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس . وأجيب بأن هذا ليس من التخصيص بل هو إبطال للنص ورفع له بالكلية وفيه تأمل . و أخرج أبو نعيم في الحلية والديلمي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس قال الله تعالى له : اسجد لآدم فقال : أنا خير منه » إلخ . قال جعفر : فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس لأنه اتبعه بالقياس واستدل بهذا ونحوه من منع القياس مطلقا . وأجيب عن ذلك بأن المذموم هو القياس والرأي في مقابلة النص أو الذي يعدم فيه شرط من الشروط المعتبرة وتحقيق ذلك في محله . وفي الآية دليل على الكون والفساد لدلالتها على خلق آدم عليه السلام وإبليس عليه اللعنة وإيجادهما ، وعلى استحالة الطين والنار عما كانا عليه من الطينية والنارية لما تركب منهما ما تركب ، وعلى أن إبليس . ونحوه أجسام حادثة لا أرواح قديمة ، قيل : ولعل إضافة خلق آدم عليه السلام إلى الطين وخلقه إلى النار باعتبار الجزء الغالب ، وإلا فقد تقرر أن الأجسام من العناصر الأربعة وبعض الناس من وراء المنع . قالَ استئناف كما سلف ، والفاء في قوله تعالى : فَاهْبِطْ مِنْها لترتيب الأمر على ما ظهر منه من الباطل ، وضمير مِنْها قيل للجنة ، وكونه من سكانها مشهور ، والمراد بها عند بعض الجنة التي يسكنها المؤمنون يوم القيامة . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها روضة بعدن وفيها خلق آدم عليه السلام وكانت على نشز من الأرض في قول . وأصل الهبوط الانحدار على سبيل القهر كما في هبوط الحجر . وإذا استعمل في الإنسان ونحوه فعلى سبيل الاستخفاف كما قال الراغب . ولم يشترط بعضهم فيه سوى الانتقال من شريف إلى ما دونه لقوله تعالى : اهْبِطُوا مِصْراً [ البقرة : 61 ] والأمر عليه واضح وإن لم نقل : إن تلك الجنة كانت على نشز ، وقيل : الضمير لزمرة الملائكة أي اخرج من زمرة الملائكة المعززين ، فإن الخروج من زمرتهم هبوط وأي هبوط . وفي سورة فَاخْرُجْ مِنْها * [ الحجر : 34 ] وقيل : الضمير للسماء ، وإليه ذهب جماعة . ورد بأن وسوسته لآدم عليه السلام كانت بعد هذا الطرد فلا بد أن يحمل على أحد الوجهين السابقين قطعا ، ويكون وسوسته على الوجه الأول بطريق النداء من باب الجنة كما روي عن الحسن البصري . وأجيب بأنه يحتمل أن يكون المراد من ذلك الجنة أو زمرة الملائكة أيضا بناء على أن الأولى ومعظم الثانية في السماء أو يقال : إن القصة وقعت في الأرض وكانت الجنة فيها وبعد العصيان حجب اللعين من السماء التي هي مقره ومعبده ، ومعنى أمره بالخروج منها أمره بقطع علائقه عنها واتخاذها مأوى له بعد . وهذا كما تقول لمن غصب دارك مثلا عند نحو القاضي : أخرج من داري مع أنه إذ ذاك ليس فيها تريد لا تدخلها واقطع علائقك عنها ؛ وقيل : الضمير للأرض . فقد روي أنه أخرج منها إلى الجزائر وأمر أن لا يدخلها إلا خفية ، ويبعده أنه لا يظهر للتخصيص في قوله تعالى : فَما يَكُونُ لَكَ أي فما يصح ولا يستقيم ولا يليق بشأنك أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها على هذا وجه إلا على بعد . وأما على الأوجه السابقة فالوجه ظاهر وهو مزيد شرافة المخرج منه وعلو شأنه وتقدس ساحته . ومن هنا يعلم أنه لا دلالة في الآية على جواز التكبر في غير ذلك عند القائلين بالمفهوم ، والجملة تعليل للأمر بالهبوط ولا يخفى لطافة التعبير به دون الخروج في مقابلة قوله : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ المشير إلى ارتفاع عنصره وعلو محله ، والتكبر - على ما قيل - كالكبر وهو الحالة التي يختص بها الشخص من إعجابه بنفسه . وذلك أن يرى نفسه أكبر من