الآلوسي

10

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

و روي عن أبي عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه أن الآية نزلت في عليّ كرم اللّه تعالى وجهه ، وبلال ، وعثمان بن مظعون فأما علي كرم اللّه تعالى وجهه فإنه حلف أن لا ينام بالليل أبدا إلا ما شاء اللّه تعالى ، وأمّا بلال فحلف أن لا يفطر بالنهار أبدا . وأما عثمان فإنه حلف أن لا ينكح أبدا . وروي أيضا غير ذلك ولم نقف على رواية فيها ما يدل على أن هذا التحريم كان على الغير بالفتوى والحكم كما ذهب إليه هذا القائل . ومع هذا يبعده ما يأتي بعد من الأمر بالأكل . لا ينافي هذا النهي أن اللّه تعالى مدح النصارى بالرهبانية فرب ممدوح بالنسبة إلى قوم مذموم بالنسبة إلى آخرين . وقوله تعالى : وَلا تَعْتَدُوا تأكيد للنهي السابق أي لا تتعدوا حدود ما أحل سبحانه لكم إلى ما حرم جل شأنه عليكم أو نهي عن تحليل الحرام بعد النهي عن تحريم الحلال فيكون تأسيسا . ويحتمل أن يكون نهيا عن الإسراف في الحلال ، وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنه ، ومجاهد ، وقتادة أن المراد لا تجبوا أنفسكم ولا يخفى أن الجب فرد من أفراد الاعتداء وتجاوز الحدود والحمل على الأعم أعم فائدة . وقوله سبحانه وتعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ في موضع التعليل لما قبله . وقد تقدمت الإشارة إلى أن نفي محبة اللّه سبحانه لشيء مستلزم لبغضه له لعدم الواسطة في حقه تعالى . وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً أي كلوا ما أحل لكم وطاب مما رزقكم اللّه تعالى . فحلالا مفعول به لكلوا و مِمَّا رَزَقَكُمُ إما حال منه وقد كان في الأصل صفة له إلا أن صفة النكرة إذا قدمت صارت حالا أو متعلق بكلوا ومن ابتدائية . ويحتمل أن يكون في موضع المفعول لكلوا على معنى أنه صفة مفعول له قائمة مقامه أي شيئا مما رزقكم أو بجعله نفسه مفعولا بتأويل بعض إلا أن في هذا تكلفا . و حَلالًا حال من الموصول أو من عائدة المحذوف أو صفة لمصدر محذوف أي أكلا حلالا . وعلى الوجوه كلها الآية دليل لنا في شمول الرزق للحلال والحرام إذ لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة سوى التأكيد وهو خلاف الظاهر في مثل ذلك وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ استدعاء إلى التقوى وامتثال الوصية بوجه حسن . والآية ظاهرة في أن أكل اللذائذ لا ينافي التقوى ، وقد أكل صلّى اللّه عليه وسلّم ثريد اللحم ومدحه وكان يحب الحلوى . وقد فصلت الأخبار ما كان يأكله عليه الصلاة والسلام وأواني الكتب ملأى من ذلك . و روي أن الحسن كان يأكل الفالوذج فدخل عليه فرقد السنجي فقال : يا فرقد ما تقول في هذا ؟ فقال : لا آكله ولا أحب أكله فأقبل الحسن على غيره كالمتعجب وقال : لعاب النحل بلعاب البر مع سمن البقر هل يعيبه مسلم ، وذكر الطبرسي أن فيها دلالة على النهي عن الترهب وترك النكاح . وقد جاء في غير ما خبر أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن اللّه تعالى لم يبعثني بالرهبانية » و قال عليه الصلاة والسلام في خبر طويل : « شراركم عزابكم وأراذل موتاكم عزابكم » و عن أنس قال : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يأمرنا بالباءة وينهانا عن التبتل نهيا شديدا » . وعن أبي نجيح قال : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ اللغو في اليمين الساقط الذي لا يتعلق به حكم وهو عندنا أن يحلف على أمر مضى يظنه كذلك فإن علمه على خلافه فاليمين غموس ، وروي ذلك عن مجاهد . وعند الشافعي رحمه اللّه تعالى ما يسبق إليه اللسان من غير نية اليمين وهو المروي عن أبي جعفر . وأبي عبد اللّه . وعائشة رضي اللّه تعالى عنهم ، والأدلة على المذهبين مبسوطة في الفروع والأصول وقد تقدم شطر من الكلام على ذلك ، و فِي أَيْمانِكُمْ إما متعلق باللغو فإنه يقال لغا في يمينه لغوا وإما بمحذوف وقع حالا منه أي كائنا أو واقعا في أيمانكم ؛ وجوز أن يكون متعلقا بيؤاخذكم ، وقيل عليه : إنه لا يظهر ربطه بالمؤاخذة إلا أن يجعل في للعلة كما في