الآلوسي
50
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
بالطبع ، ونردها عن الهداية إلى الضلالة . وروي ذلك عن الضحاك ، وأخرجه أبو الجارود عن أبي جعفر رضي اللّه تعالى عنه ، والحق أن الآية ليست بنص في كون ذلك في الدنيا أو في الآخرة بل المتبادر منها بحسب المقام كونه في الدنيا لأنه أدخل في الزجر ، وعليه مبنى ما روي عن الحبرين لكن لما كان في وقوع ذلك خفاء واحتمال أنه وقع ولم يبلغنا - على ما في التيسير - مما لا يلتفت إليه ، ورجح احتمال كونه في الآخرة ، وأيّا ما كان فلعل السر في تخصيصهم بهذه العقوبة من بين العقوبات - كما قال شيخ الإسلام - مراعاة المشاكلة بينها وبين ما أوجبها من جنايتهم التي هي التحريف والتغيير والفاعل والراضي سواء ، والضمير المنصوب في - نلعنهم - لأصحاب الوجوه ، أو - للذين - على طريق الالتفات لأنه بعد تمام النداء يقتضي الظاهر الخطاب ، وأما قبله فالظاهر الغيبة ، ويجوز الخطاب لكنه غير فصيح كقوله : يا من يعز علينا أن نفارقهم * وجداننا كل شيء بعدكم عدم أو للوجوه إن أريد به الوجهاء وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ بإيقاع شيء ما من الأشياء ، فالمراد بالأمر معناه المعروف ، ويحتمل أن يراد به واحد الأمور ولعله الأظهر أي كان وعيده أو ما حكم به وقضاه مَفْعُولًا نافذا واقعا في الحال أو كائنا في المستقبل لا محالة ، ويدخل في ذلك ما أوعدتم به دخولا أوليا ، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما سبق ، ووضع الاسم الجليل موضع الضمير بطريق الالتفات لما مر غير مرة . إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ كلام مستأنف مقرر لما قبله من الوعيد ومؤكد وجوب امتثال الأمر بالإيمان حيث إنه لا مغفرة بدونه كما زعم اليهود ، وأشار إليه قوله تعالى : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا [ الأعراف : 169 ] وفيه أيضا إزالة خوفهم من سوء الكبائر السابقة إذا آمنوا . والشرك يكون بمعنى اعتقاد أن للّه تعالى شأنه شريكا إما في الألوهية أو في الربوبية ، وبمعنى الكفر مطلقا - وهو المراد هنا - كما أشار إليه ابن عباس فيدخل فيه كفر اليهود دخولا أوليا فإن الشرع قد نص على إشراك أهل الكتاب قاطبة وقضى بخلود أصناف الكفرة كيف كانوا ، ونزول الآية في حق اليهود على ما روي عن مقاتل لا يقتضي الاختصاص بكفرهم بل يكفي الاندراج فيما يقتضيه عموم اللفظ ، والمشهور أنها نزلت مطلقة ، فقد أخرج ابن المنذر عن أبي مجلز قال : « لما نزل قوله تعالى : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [ الزمر : 53 ] الآية قام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على المنبر فتلاها على الناس فقام إليه رجل فقال : والشرك باللّه ؟ فسكت ، ثم قام إليه فقال : يا رسول اللّه والشرك باللّه تعالى ؟ فسكت مرتين أو ثلاثا فنزلت هذه الآية إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ » إلخ والمعنى أن اللّه تعالى لا يغفر الكفر لمن اتصف به بلا توبة وإيمان لأنه سبحانه بت الحكم على خلود عذابه ، وحكمه لا يتغير ، ولأن الحكمة التشريعية مقتضية لسد باب الكفر ولذا لم يبعث نبي إلا لسده وجواز مغفرته بلا إيمان مما يؤدي إلى فتحه ، وقيل : لأن ذنبه لا ينمحي عنه أثره فلا يستعد للعفو بخلاف غيره ، ولا يخفى أن هذا مبني على أن فعل اللّه تعالى تابع لاستعداد المحل ، وإليه ذهب أكثر الصوفية وجميع الفلاسفة ، فإن يُشْرَكَ في موضع النصب على المفعولية ؛ وقيل : المفعول محذوف والمعنى لا يغفر من أجل أن يشرك به شيئا من الذنوب فيفيد عدم غفران الشرك من باب أولى ، والذي عليه المحققون هو الأول . وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ عطف على خبر إن لا مستأنف ، وذلك إشارة إلى الشرك ، وفيه إيذان ببعد درجته في القبح أي يغفر ما دونه من المعاصي وإن عظمت وكانت كرمل عالج ، ولم يتب عنها تفضلا من لدنه وإحسانا لِمَنْ يَشاءُ أن يغفر له ممن اتصف بما ذكر فقط ، فالجار متعلق - بيغفر - المثبت ، والآية ظاهرة في التفرقة بين الشرك وما