الآلوسي
37
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ بالشوق والإرادة وَابْنِ السَّبِيلِ بالفكر والمماليك بالملكات المكتسبة التي هي مصادر الأفعال الجميلة ، وباب التأويل واسع جدا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا يسعى بالسلوك في نفسه فَخُوراً بأحواله ومقاماته محتجبا برؤيتها الَّذِينَ يَبْخَلُونَ على أنفسهم وعلى المستحقين فلا يعملون بعلومهم ولا يعلمونها وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ قالا أو حالا وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فلا يشكرون نعمة اللّه ، أو يكتمون ما أوتوا من المعارف في كتم الاستعداد وظلمة القوة حتى كأنها معدومة وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ للحق الساترين أنوار الوحدة بظلمة الكثرة عَذاباً مُهِيناً يهينهم في ذل وجودهم وشين صفاتهم وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ أي يبرزون كمالاتهم رِئاءَ النَّاسِ مراءين الناس بأنها لهم وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ الإيمان الحقيقي ليعلموا أن لا كمال إلا له وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ أي الفناء فيه سبحانه ليبرزوا للّه الواحد القهار وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ النفس وقواها لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً لأنه يضله عن الحق كهؤلاء وَما ذا عَلَيْهِمْ ما كان يضرهم لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فصدقوا بالتوحيد والفناء فيه وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ولم يروا كمالا لأنفسهم وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً فيجازيهم بالبقاء بعد الفناء إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مقدار ما يظهر من الهباء وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً ولا تكون كذلك إلا إذا كانت له فإن كانت له يُضاعِفْها بالتأييد الحقاني وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً وهو الشهود الذاتي ، أو العلم اللدني فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وهو ما يحضر كل أحد ويظهر له بصورة معتقدة فيكشف عن حاله وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ وهم المحمديون شَهِيداً ومن لوازم الإتيان بالحقيقة المحمدية شهيدا للمحمديين معرفتهم للّه تعالى عند التحول في جميع الصور فليس شهيدهم في الحقيقة إلا الحق سبحانه يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالاحتجاب وَعَصَوُا الرَّسُولَ بعدم المتابعة لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ لتنطمس نفوسهم أو تصير ساذجة لا نقش فيها من العقائد الفاسدة والرذائل الموبقة وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً أي لا يقدرون على كتم حديث من تلك النقوش وهيهات أنى يخفون شيئا منها ، وقد صارت الجبال كالعهن المنفوش . سهم أصاب وراميه بذي سلم * من بالعراق لقد أبعدت مرماك واللّه تعالى يتولى الحق وهو يهدي السبيل . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ إرشاد لإخلاص الصلاة التي هي رأس العبادة من شوائب الكدر ليجمعوا بين إخلاص عبادة الحق ومكارم الأخلاق التي بينهم وبين الخلق المبينة فيما تقدم وبهذا يحصل الربط ، ويجوز أن يقال : لما نهوا فيما سلف عن الإشراك به تعالى نهوا هاهنا عما يؤدي إليه من حيث لا يحتسبون ، فقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وصححه عن عليّ كرم اللّه تعالى وجهه قال : « صنع لنا عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه تعالى عنه طعاما فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون فنزلت » . و في رواية ابن جرير وابن المنذر عن علي كرم اللّه تعالى وجهه « أن إمام القوم يومئذ هو عبد الرحمن وكانت الصلاة صلاة المغرب وكان ذلك لما كانت الخمر مباحة ، والخطاب للصحابة وتصدير الكلام بحرفي النداء والتنبيه اعتناء بشأن الحكم ، والمراد بالصلاة عند الكثير الهيئة المخصوصة ، وبقربها القيام إليها والتلبس بها إلا أنه نهى عن القرب مبالغة ، وبالسكر الحالة المقررة التي تحصل لشارب الخمر ، ومادته تدل على الانسداد ومنه سكرت أعينهم أي انسدت ، والمعنى لا تصلوا في حالة السكر حتى تعلموا قبل الشروع ما تقولونه قبلها إذ بذلك يظهر أنكم ستعلمون ما ستقرءونه فيها ، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير أن المعنى - لا تقربوا الصلاة وأنتم نشاوى من الشراب حتى تعلموا