الآلوسي

198

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

ألم تريا أني حميت حقيقتي * وباشرت حد الموت والموت « دونها » نادر لا يقاس عليه ومعناها أقرب مكان من الشيء فهو - كعند - إلا أنها تنبئ عن دنو كثير وانحطاط يسير ، ومنه دونك اسم فعل لا تدوين الكتب خلافا للبيضاوي - كما قيل - لأنه من الديوان الدفتر ومحله ، وهي فارسي معرب من قول كسرى إذ رأى سرعة الكتاب في كتابتهم وحسابهم ديوانه . وقد يقال لا بعد فيما ذكره البيضاوي وديوان مما اشتركت فيه اللغتان ، وقد استعمل في انحطاط محسوس لا في ظرف - كدون زيد في القامة - ثم استعير للتفاوت في المراتب المعنوية تشبيها بالمراتب الحسية - كدون عمرو شرفا - ولشيوع ذلك اتسع في هذا المستعار فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد ولو من دون تفاوت وانحطاط ، وهو بهذا المعنى قريب غير فكأنه أداة استثناء ، ومن الشائع دون بمعنى خسيس فيخرج عن الظرفية ويعرف بال ويقطع عن الإضافة كما في قوله : إذا ما علا المرء رام العلا * ويقنع « بالدون » من كان دونا وما في القاموس من أنه يقال رجل من دون ، ولا يقال دون مخالف للدراية والرواية ، وليس عندي وجه وجيه في توجيهه ، والمشهور أنه ليس لهذا فعل ، وقيل يقال : دان يدين منه واستعماله بمعنى فضلا وعليه حمل قول أبي تمام : الود للقربى ولكن عرفه * للأبعد الأوطان « دون » الأقرب لم يسلمه أرباب التنقير نعم قالوا : يكون بمعنى وراء - كأمام - وبمعنى فوق ونقيضا له . و مِنْ لابتداء الغاية متعلقة بادعوا ، ودون تستعمل بمعنى التجاوز في محل النصب على الحال ، والمعنى ادعوا إلى المعارضة من يحضركم أو من ينصركم بزعمكم متجاوزين اللّه تعالى في الدعاء بأن لا تدعوه ، والأمر للتعجيز والإرشاد أو ادعوا من دون اللّه من يقيم لكم الشهادة بأن ما أتيتم به مماثلة فإنهم لا يشهدون ، ولا تدعوا اللّه تعالى للشهادة بأن تقولوا اللّه تعالى شاهد وعالم بأنه مثله فإن ذلك علامة العجز والانقطاع عن إقامة البينة والأمر حينئذ للتبكيت - والشهيد - على الأول بمعنى الحاضر ، وعلى الثاني بمعنى الناصر ، وعلى الثالث بمعنى القائم بالشهادة ، قيل : ولا يجوز أن يكون بمعنى الإمام بأن يكون المراد بالشهداء الآلهة الباطلة لأن الأمر بدعاء الأصنام لا يكون إلا تهكما ، ولو قيل : ادعوا الأصنام ولا تدعوا اللّه تعالى ولا تستظهروا به لانقلب الأمر من التهكم إلى الامتحان إذ لا دخل لإخراج اللّه تعالى عن الدعاء في التهكم ، وفيه أن أي تهكم وتحميق أقوى من أن يقال لهم استعينوا بالجماد ولا تلتفتوا نحو رب العباد ؟ ولا يجوز حينئذ أن تجعل دون بمعنى القدام إذ لا معنى لأن يقال ادعوها بين يدي اللّه تعالى أي في القيامة للاستظهار بها في المعارضة التي في الدنيا ، وجوزوا أن تتعلق من ب « شهداءكم » وهي للابتداء أيضا ، و دُونِ بمعنى التجاوز في محل النصب على الحال والعامل فيه معنى الفعل المستفاد من إضافة - الشهداء - أعني الاتخاذ ، والمعنى ادعوا الذين اتخذتموهم أولياء مِنْ دُونِ اللَّهِ تعالى ، وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة ، ويحتمل أن يكون دُونِ بمعنى أمام حقيقة أو مستعارا من معناه الحقيقي الذي يناسبه أعني به أدنى مكان من الشيء وهو ظرف لغو معمول - لشهداء - ويكفيه رائحة الفعل فلا حاجة إلى الاعتماد ولا إلى تقدير ليشهدوا ، و مِنْ للتبعيض كما قالوا في مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ [ الرعد : 11 ، الجن : 27 ] لأن الفعل يقع في بعض الجهتين ، وظاهر كلام الدماميني في شرح التسهيل . أنها زائدة ، وهو مذهب ابن مالك ، والجمهور على أنها ابتدائية ، والمعنى ادعوا الذين يشهدون لكم بين يدي اللّه عزّ وجل على زعمكم ، والأمر للتهكم ، وفي التعبير عن الأصنام بالشهداء ترشيح له بتذكير ما اعتقدوه من أنها من اللّه تعالى بمكان ، وأنها تنفعهم بشهادتهم كأنه قيل : هؤلاء عدتكم وملاذكم فادعوهم لهذه العظيمة النازلة بكم - فلا عطر بعد عروس ، وما وراء عبادان قرية - ولم تجعل دُونِ بمعنى التجاوز لأنهم لا يزعمون شركته تعالى مع الأصنام في الشهادة فلا