الآلوسي

166

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

مَأْكُولٍ [ الفيل : 5 ] زيادة في الجهل ، والذي وضع موضع - الذين - إن كان ضمير بِنُورِهِمْ راجعا إليه وإلا فهو باق على ظاهره إذ لا ضير في تشبيه حال الجماعة بحال الواحد وجاز هنا وضع المفرد موضع الجمع ، وقد منعه الجمهور فلم يجوزوا إقامة القائم مقام القائمين لأن هذا مخالف لغيره لخصوصية اقتضته فإنه إنما وضع ليتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل فلما لم يقصد لذاته توسعوا فيه ، ولأنه مع صلته كشيء واحد ، وعلامة الجمع لا تقع حشوا فلذا لم يلحقوها به ووضعوه لما يعم - كمن ، وما ، والذين - ليس جمعا له بل هو اسم وضع مزيدا فيه لزيادة المعنى ، وقصد التصريح بها ولذا لم يعرف بالحروف كغيره على الأفصح ، ولأن استطال بالصلة فاستحق التخفيف حتى بولغ فيه إلى أن اقتصر على اللام في نحو اسم الفاعل ، قاله القاضي وغيره ، ولا يخلو عن كدر لا سيما الوجه الأخير ، وما روي عن بعض النحاة من جواز حذف نون - الذين - ليس بالمرضي عند المحققين ، ولئن تنزل يلتزم عود ضمير الجمع إليه كما في قوله تعالى : وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا [ التوبة : 69 ] على وجه ، وقول الشاعر : يا رب عيسى لا تبارك في أحد * في قائم منهم ولا فيمن قعد إلا الذي قاموا بأطراف المسد وإفراد الضمير لم نسمعه ممن يوثق به ولعله لأن المحذوف كالملفوظ ، فالوجه أن يقال إنه نظر إلى ما في - الذي - من معنى الجنسية العامة إذ لا شبهة في أنه لم يرد به - مستوقد - مخصوص ولا جميع أفراد المستوقدين والموصول كالمعرف باللام يجري فيه ما يجري فيه . واسم الجنس وإن كان لفظه مفردا قد يعامل معاملة الجمع ك : عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ [ الإنسان : 21 ] وقولهم : الدينار الصفر ، والدرهم البيض ، أو يقال : إنه مقدر له موصوف مفرد اللفظ مجموع المعنى كالفوج والفريق فيحسن النظام ، ويلاحظ في ضمير - استوقد - لفظ الموصوف ، وفي ضمير بِنُورِهِمْ معناه ، « واستوقدوا » بمعنى أوقدوا ، فقد حكى أبو زيد أوقد واستوقد بمعنى - كأجاب واستجاب - وبه قال الأخفش - جعل الاستيقاد بمعنى طلب الوقود وهو سطوع النار كما فعل البيضاوي - محوج إلى حذف ، والمعنى حينئذ طلبوا نارا واستدعوها فأوقدوها فَلَمَّا أَضاءَتْ لأن الإضاءة لا تتسبب عن الطلب وإنما تتسبب عن الإيقاد والنار جوهر لطيف مضيء محرق ، واشتقاقها من نار ينور نورا إذا نفر لأن فيها - على ما تشاهد - حركة واضطرابا لطلب المركز ، وكونه من غلط الحس كأنه من غلط الحس ، نعم أورد على التعريف أن الإضاءة لا تعتبر في حقيقتها وليست شاملة - لما ثبت في الكتب الحكمية - أن النار الأصلية حيث الأثير شفافة لا لون لها وكذا يقال في الإحراق ، والجواب أن تخصيص الأسماء لأعيان الأشياء حسبما تدرك أو للمعاني الذهنية المأخوذة منها ، وأما اعتبار لوازمها وذاتياتها فوظيفة من أراد الوقوف على حقائقها وذلك خارج عن وسع أكثر الناس ، والناس يدركون من النار التي عندهم الإضاءة والإحراق ويجعلونهما أخص أوصافها ، والتعريف للمتعارف وعدم الإحراق لمانع لا يضر على أن كون النار التي تحت الفلك هادية غير محرقة وإن زعمه بعض الناس أبطله الشيخ ، واحتراق الشهب شهاب على من ينكر الإحراق ، وأغرب من هذا نفي النار التي عند الأثير ؛ وقريب منه القول بأنها ليست غير الهواء الحار جدا ، وقرأ ابن السميقع - كمثل الذين - على الجمع وهي قراءة مشكلة جدا ، وقصارى ما رأيناه في توجيهها أن إفراد الضمير على ما عهد في لسان العرب من التوهم كأنه نطق بمن - الذي - لها لفظا ومعنى كما جزم بالذي على توهم من الشرطية في قوله : كذاك الذي يبغي على الناس ظالما * تصبه على رغم عواقب ما صنع أو أنه اكتفى بالإفراد عن الجمع كما يكتفي بالمفرد الظاهر عنه فهو كقوله : وبالبدو منا أسرة يحفظونها * سراع إلى الداعي عظام كراكره