الشيخ الأنصاري
106
كتاب الحج
لم يتحقّق سببيّته لوجوب حجّة النذر ؛ لأنّ فوريّة حجّة الإسلام يمنع من جواز الإتيان بالمنذورة ، فلا يكون الاستطاعة في هذه السنة سببا لوجوبها ، مع أنّ مقتضى النذر المتقدّم فعليّة وجوب الحجّ في هذه السنة . ولا يتوهّم أنّ سببيّته فرع انتفاء المانع وهو موجود - أعني فوريّة حجّة الإسلام « 1 » - ؛ لأنّا نمنع فوريّة حجّة الإسلام - بل حدوث وجوبها - مع تقدّم النذر . فعلم من ذلك : أنّ الاستطاعة الحادثة لا يجوز أن يكون سببا لوجوب الحجّتين ؛ لأنّ مرادنا من سببيّة الاستطاعة ما يوجب استقرار الوجوب [ ووجوبها ] « 2 » ولو بعد زوال الاستطاعة ، ولهذا لا يكون الاستطاعة المتبرّعة المجامعة لوجود بعض الموانع سببا للوجوب ، بل لابدّ من بقائها في سنة ارتفاع المانع ، بل الَّتي تجامع المانع لا تسمّى استطاعة شرعيّة ؛ لأنّ المراد بها الزاد والراحلة وصحّة البدن والأمن وإمكان المسير عقلا وشرعا . والمكلَّف بما ينافي الحجّ ممنوع من المسير شرعا ، والمانع الشرعيّ كالعقليّ ، فلا بدّ أن يكون سببا لإحدى الحجّتين . ويتعيّن أن يكون حجّة النذر ؛ لتقدّم سببها المانع من حدوث الخطاب بما ينافي المسبّب . وهذا بخلاف ما لو كان استطاعة النذر عقليّة . فإنّ وجوب حجّة النذر على وجه الوسعة ثابت قبل حدوث الاستطاعة . والاستطاعة يصير سببا لوجوب حجّة الإسلام فورا ، ولا دخل لها لوجوب حجّة النذر ، فهو كالكسوف الحادث بعد الزوال واجتماع شرائط وجوب صلاة الظهر . فإن قلت : إنّا نفرض وجوب حجّة النذر موقوفا عقلا على وجود المال الَّذي به يحصل الاستطاعة الشرعيّة أيضا ، فحينئذ لابدّ من أن يحكم بتقديم حجّة النذر أيضا ؛ لعين ما ذكر .
--> « 1 » في الأصل : فورية حجّة لمانع . « 2 » الظاهر كونه زائدا .