الشيخ علي المشكيني
73
رساله هاى فقهى و اصولى
عقلائهم ، تثبيتاً للنظام ، وحفظاً عن وقوع الاختلال فيه وحدوث الهرج والمرج . وحينئذٍ ، فلو لم يكن هنا دليلٌ تعبّديّ يدلّ على وجوب إرجاعها إلى الفقهاء ، لكان العقل حاكماً بذلك ، وثبوت الولاية لهم فيها ؛ وذلك كجميع الأمور الاجتماعيّة والسياسيّة . فإذاً تكون الروايات الدالّة على المطلب - ولو ضعفت الأسناد - مؤيّدة بالدليل العقلي . ولعلّ هذا نوع من التبيّن المأمور به ، فيوافق العقل النقل في إثبات المطلوب . لكن فيه : أنّ بعض تلك الأمور أمور حسبيّة ، لم تؤخذ على شخص خاصّ بنحو اللّزوم والاشتراط ، كتجهيز الميّت الذي لا وليّ له ؛ وصرف عوائد الوقف العامّ في مصارفه ، وحفظ مال القاصرين ، أو تبديله بمالٍ آخر عند مظنّة التلف ، ونحو ذلك ، يتكفّلها عدول المؤمنين ، بل وفسّاقهم عند الضرورة . وبعضها الآخر ، وإن كان بحيث يجب أن يقوم به الوالي على القوم ورئيس الملّة ، إلّا أنّ إرجاعه إلى الفقهاء عقلًا من جهة كونه أعرف بكيفيّته ، وأعلم بحدوده وقيوده ، ليوجده بالنحو الأصلح ، ويوقعه بما يقتضيه صلاح الزمان ونفع الملّة . وهذا صحيح فيما إذا كان الفقيه ورواة الحديث أعرف بمواقع الأمر ، وأدرك لمصالحه ، مع أنّه ليس كذلك قطعاً ؛ بل لا يمكن ذلك للفقيه في هذه العصور ، فإنّ الفقه - أعني العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها - لا يلازم كون صاحبه عالماً بجميع المسائل العامّة الاجتماعيّة . فافرض الكلام بالنسبة إلى فقيه وحال مملكة من الممالك ؛ فامورها العامّة التي يجب الرجوع فيها إليه عبارة عن جميع شؤون دوائرها المربوطة بإصلاح حال ملّتها ، والفقيه ليس بأعرف بجريان تلك الأمور عن غيره ؛ فلا معنى لوجوب إرجاعها إليه . ومن هنا يمكن أن يقال : إنّه لو فرضنا دلالة أخبار الباب على وجوب إرجاع نفس الحوادث والوقائع إلى الفقيه ، ليوجدها مباشرةً ، أو تقع خصوصيّاتها بنظره ، لوجب حملها على إرجاعها من حيث الحكم الشرعي ، كما قلناه في معنى الرواية .