الشيخ علي المشكيني
56
رساله هاى فقهى و اصولى
أخرى تولدها . كما أنّها قد تتولّد باختيار الإنسان ؛ فإنّه قد يتوجّه إلى أمر ، فيتكفّر في حُسنه أو قُبحه ، وما يترتّب على فعله وتركه ، إلى أن يتولّد له إرادته والقصد إليه ؛ كما أنّ الإنسان قد يتوجّه إلى إرادته الحاصلة بالنسبة أمر ، ويرى أنّها مظنّة الحظر ، فيتفكّر حتّى يكون سبباً لزوال الإرادة وانهدامها . والحاصل : أنّ الإرادة حدوثاً غيرُ اختياريّة في الغالب ، بل تحدث في الإنسان بتصوّر بعض الأمور والرغبة إليه ؛ لكنّها اختياريّة بقاءً ، بمعنى أنّه للإنسان أن يتأمّل ، أو يسأل ، أو يُشاور في حُسن ما تعلّقت به ، وصلاحه ، وسائر ما يستتبعه تحقّقه في الخارج ، وقُبح ذلك ؛ وهو قد يعلم بأنّ ذلك التحقيق والتفكّر ينجرّ إلى زوالها ، وقد يشكّ في ذلك . وعلى أيّ حال ، فتَتَبّعُ الأمر والتأمّل والتفكّر وسيلةٌ بيد الإنسان ، سببٌ لإبطال الإرادة وإدامتها ؛ فالإرادة اختياريّة بقاءً . لا يقال : حيث إنّ معنى الاختياري هو الأمر الحادث بعد الإرادة وبسببها ، يلزم التسلسل في المقام ؛ فإنّ الإرادة الأولى موقوفة على الثانية ، وهي أيضاً أمرٌ اختياريّ متوقّف على الإرادة ، وهكذا . لأنّا نقول : قد عرفتَ أنّ الأغلب في الإرادة حصولها من غير تعلّق إرادة بها ، بل بتأثير الحوادث والوقائع والتصوّرات والهواجس القلبيّة في حصول التصديق ، والميل إلى الشيء ، وتولّد الإرادة من تلك المقدّمات ؛ فإرادة التأمّل والتفكّر والتحقيق حول ما يترتّب على متعلّق الإرادة الأولى من المصالح والمفاسد تتولّد من أمور أخر ، ناشئة من نفس المريد ، أو من هداية الغير ، أو من أسباب اخر ؛ فلا تسلسل في البين . مثلًا إذا حصلت للإنسان إرادة قتل زيد من جهات غير اختياريّة ، فتوجّه النفس إلى بعض مضارّه ، يبعثه إلى أن يتأمّل ويتفكّر ؛ فكثيراً ما يكون ذلك صارفاً له عن إرادته . فهذه الإرادة اختياريّة ؛ لأجل قدرة الإنسان على إبطالها . ولا يلزم منه التسلسل ؛ فإنّ زوالها وإن توقّف على قصد التأمّل وإرادة التفكّر في عواقب الأمر الموجب للانصراف ، إلّاأنّ ذلك القصد والإرادة لم يكن حاصلًا من إرادة أخرى ، بل نشأت من