الشيخ علي المشكيني

40

رساله هاى فقهى و اصولى

[ و ] الثانية : دلالته على كون المتكلّم قاصداً لتفهيم لمعناه ، ومريداً لإيصاله إلى ذهن السامع . وهذه الدلالة إن علم من الخارج بقرائن وغيرها ، فهو ، وإلّافهنا أصل عُقلائيّ حاكم بإرادته ، وهو أصالة الظهور ؛ فإنّ معناه لزوم البناء على إرادة اللّافظ الشاعر ما هو ظاهر الكلام حسب وضع الواضع ، أو حسب اقتضاء القرينة . وهذه هي الدلالة الاستعماليّة ؛ إذ مقتضى علم السامع وأصالة الظهور استعمال المتكلّم للّفظ بمعنى أنّه يطلب من اللّفظ أن يحكي عن معناه ، أو يوجده ليرد في ذهن السامع . وهذه هي الغرض من الوضع ؛ فإنّ الواضع لم يضع الألفاظ لمعانيها إلّا لاستمداد المستعمل ، واستعانته في تفهيم أغراضه بها ، وهو واضح . [ و ] الثالثة : دلالته على كون اللّافظ المستعمل مريداً بما ألقاه من المعنى إرادة جدّيّة ، ولم يلقه تقيّةً ، أو امتحاناً ، واعتذاراً . وهذا أيضاً إن احرز بالعلم ، فهو ، وإلّافهنا أيضاً أصلٌ عقلائيٌّ آخر حاكم بالإرادة ، ويسمّى بحجّيّة الظواهر ، وأصالة التطابق بين الإرادة الاستعماليّة والإرادة الجدّيّة . فإذا قال المولى : اضرب زيداً ؛ يحكمون بكون ذلك مراداً له . فالمولى يحتجّ بالظاهر على العبد لو تركه معتذراً بعدم علمه بالإرادة الجدّيّة ، كما أنّ العبد يحتجّ على المولى لو أخذه بالعمل ، وقال : إنّي لم أرده حتماً ، بل تقيّةً ، أو امتحاناً . قوله : ( لا من حيث هي مرادة للافظها ) ؛ الكلام في الوضع والاستعمال والتفهيم يقع في موارد ثلاثة : الأوّل : تحقّق الوضع - الذي هو فعل الواضع - يحتاج إلى لحاظ الواضع اللّفظ ، ولحاظه المعنى ، وإنشائه تعيين الأوّل في مقابل الثاني ؛ لفظاً ، أو كتباً ، أو فعلًا . فهناك يتمّ ما هو عمل الواضع ، والغرض منه التفهيم والتفهّم . فعُلم مِن هذا أنّ الموضوع نفس المعنى وذات الملحوظ من غير دخل شيءٍ فيه ، حتّى اللّحاظ ؛ فإنّه من لوازم الوضع وشرائطه التكوينيّة ، لا أنّه داخلٌ في الموضوع له . وهذا في الوضع التعييني ، ونظيره أيضاً التعيّني .